الحكمِ، وهو حديثٌ واحدٌ! وكأنَّ الحديثَ حجةٌ فيما وافقَ رأي مَنْ قلَّدتُموه، وليس بحجةٍ فيما خالفَ رأيَه" (1) ."
ويتصلُ بهذا الأثرِ صورةٌ أخرى، وهي؛ أنْ يقومَ المتمذهبُ بالاستدلالِ بحديثٍ ما على مسألةٍ دلَّ عليها؛ موافقة لمذهبِه، ثم يقومُ بتضعيفِ الحديثِ ذاتِه في مسألةٍ أخرى تخالفُ مذهبَه.
وهذا العملُ في الحقيقةِ عملٌ مَشِينٌ؛ فليستْ نصوصُ الشريعةِ محلًا للأخذِ والردِّ على حسب موقعها مِنْ قولِ الإمامِ، بلْ أقوالُ الإمام هي محلّ الأخذِ والردِّ؛ بحسبِ موافقتِها أو مخالفتِها لنصوصِ الشارعِ.
ويبدو أنَّ هذا الداءَ الخطيرَ كان قد استشرى في نفوسِ بعضِ المتمذهبين في زَمنٍ متقدمٍ؛ فقد ذكر ابنُ حزمٍ (ت: 456 هـ) أنَّه اطلعَ على كتابِ: (شرح الرسالة) (2) للقاضي عبدِ الوهاب المالكي (ت: 422 هـ) ، فرآه في باب: (مَنْ يعتق على المرءِ إذا ملكه) ، قد استدلَّ بحديثِ: (مَنْ ملك ذا رحمٍ مَحْرَم فهو حرٌّ) (3) ، وبعدَ هذه المسألة بقليلٍ ذَكَرَ قولَ الإمامِ أبي حنيفة في
(1) إعلام الموقعين (4/ 491) .
(2) طبع القدر الموجود من شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب في مجلدين، عن دار ابن حزمٍ، وليس فيه أبواب: العتق.
(3) جاء هذا الحديث من عدة طرق، من أشهرها: طريق الحسن عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: العتق، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم (ص/ 592) ، برقم (3949) ؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الأحكام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء فيمن ملك ذا رحمٍ محرم (ص/ 322) ، برقم (1365) ، وقال:"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن عمر شيئًا من هذا". والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: العتق، باب: من ملك ذا رحمٍ محرم (5/ 13) ، بالأرقام (4878 - 4882) ؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: العتق، باب: من ملك ذا رحم محرم فهو حر (ص/ 430) ، برقم (2524) ؛ والطيالسي في: المسند (2/ 227) ، برقم (952) ؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: البيوع والأقضية، باب: في الرجل يملك المحرم منه، يعتق، أم لا؟ (10/ 510) ، برقم (20447) ؛ وأحمد في: المسند (33/ 338) ، برقم (20167) ؛ والروياني في: المسند (2/ 53) ، برقم (818) ؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: العتاق، باب: الرجل يملك ذا رحم محرم منه، هل يعتق عليه، أم لا؟ =