لم يختلفْ حالُ الناسِ مِنْ حيثُ التمسكُ بالمذاهب في منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري عمَّا سبق، فالعكوفُ على المذاهبَ، واكتفاءُ أربابِها بمذهبِهم كانت الصورةَ المهيمنةَ على الحالةِ العلميةِ، وقدَ ظَهَرَ لي أنَّ اهتمامَ كثيرٍ مِنْ المتمذهبين منصّبٌ على الفروعِ وتقريرِها، وكان هذا الاهتمامُ على حسابِ اهتمامِهم بأصولِ الفقهِ.
إضافةً إلى استمرارِ التعصبِ المذهبي في صفوفِ كثيرين مِنْ أربابِ المذاهبِ، وقد بيَّن الشيخُ عليٌّ بن حسن القنوجي (توفي قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر) (1) أنَّ حالَ الناسِ في غالبِ الأقاليمِ في زمنِه على الأخذِ بما قاله إمامُ المذهب، بل إنَّ بعضَهم يعدُّ مَنْ خالفه خارجًا عن الشريعة المطهرة! (2) .
وقد ذَكَرَ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور (ت: 1394 هـ) أنَّ أحدَ
(1) هو: علي بن حسن بن علي الحسيني البخاري القنوجي، أبو النصر، ولد ببهوبال سنة 1283 هـ ونشأ في مسقط رأسه، وقرأ مختصرات في علوم الآلة، وأخذ عن جماعةٍ من أعيان بلده، كان مهتمًا بعلم الحديث، بارعًا في الشعر الفارسي والهندي، قال عنه والده الشيخ صديق:"هو أحبُّ أولادي إلي، وإنْ كان قليل الاعتناء بالعلم، وبما لديَّ، لكن أرجو ربي أنْ يجعله من أهل العلم"، من مؤلفاته: الإقليد في رد التقليد، وله حواشٍ على مؤلفات أبيه، لم أقف على تاريخ وفاته، والذي يظهر لي أنه توفي قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر الهجري.
انظر ترجمته في: التاج المكلل لصديق القنوجي (ص/ 531) ، وأبجد العلوم له (ص/ 731) .
(2) انظر: القول السديد في أدلة الاجتهاد والتقليد (ص/ 63) .