ولعلَّ مردّ هذا الأمر عائدٌ إِلى أنَّ احتمالَ الغلطِ في تخريجِ حكمِ النازلةِ على فرعٍ منصوصٍ على حكمِه أقلُ مِن احتمالِه في تخريجِ النازلةِ على أصلٍ مِنْ أصولِ المذهبِ.
ومِنْ جهةٍ أخرى: لعلَّ التخريجَ على فروعِ المذهبِ أيسرُ مِن التخريجِ على أصولِه.
وبما أنَّ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ قائمٌ على أساسِ قياسِ المخرِّجِ لها على فروعِ المذهبِ، فإِنَّ احتمالَ اختلافِ مخرِّجي المذهبِ الواحدِ في حكمِ النازلةِ احتمالٌ قويٌّ (1) .
يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة عن عملِ المخرِّجين:"مِن الطبيعي أنْ يختلفوا في تخريجِهم وأقيستهم، كما اختلفَ أئمةُ المذهبِ في استنباطِهم الأول" (2) .
ولعلَّ مِنْ أسباب اهتمامِ بعضِ العلماءِ بذكرِ التنبيهاتِ والضوابط لتخريجِ حكمِ النازلَةِ على فروعِ المذهب ما رأوه مِنْ تساهلِ بعضِ المتمذهبين في إِلحاقِ بعضِ النوازلِ بأيّ مسَألةٍ تشبهها في المذهبِ، دونَ مراعاةٍ لضوابطِ التخريجِ (3) .
وممَّا لَفَتَ نظري في هذا المبحث أنَّ الجانبَ النظري لمسألةِ: (تخريج النازلة على فروع المذهب) كأنَّه بمعزلٍ عن الجانبِ التطبيقي لها، بمعنى: أنَّ المذاهبَ حوتْ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروع المذهب، وعالجتْ حكمَها بهذا الطريقِ، دون أنْ يُثرِّبَ على المخرِّجين أَحدٌ، ولمَ يقتصر الأمرُ
(1) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 98) ، والمجموع شرح المهذب للنووي (1/ 44) ، وصفة الفتوى (ص/ 22) ، والمسودة (2/ 968) .
(2) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ 395) . وانظر: مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 360) .
(3) ذكر محمد الزبيدي في: إِتحاف السادة المتقين (1/ 285) شيئًا من تساهل بعض المتمذهبين في التخريج على فروع المذهب، وسمى هؤلاء بحشوية الفروع.