مواطنِ اتفاقِهم، ومواقع اجتهادِهم (1) .
ولمَّا كانَ كلُّ واحدٍ مِن المتناظرين يُرْسِلُ عِنَانَه في الاحتجاجِ والجواب احتاجوا في مناظراتِهم إِلى معرفةِ القواعدِ الأصوليةِ؛ لإِقامةِ دليلِ المسألةِ عَلى الوجهِ الصحيحِ، والإِجابةِ عن الاعتراضاتِ الموجهةِ إِليها (2) .
وقد تكونُ المناظرةُ بين شخصين على الحقيقةِ، وقد تكون كتابيةً، بأنْ يُدوِّنَ المؤلِّفُ قولَه وأدلتَه واعتراضاتِ المخالفِ على هيئةِ المناظرةِ (3) .
ويتحدث الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن أثرِ المناظراتِ في علمِ أصولِ الفقهِ بكلامٍ جيّدٍ، فيقولُ:"إِنَّ علمَ أصولِ الفقهِ الَّذي غَرَسَ غرسَه الإِمامُ الشَّافعي، لم يضعفْ بَعْدَه، حتى في عصورِ التقليدِ الَّتي غُلِّقَ فيها بابُ الاجتهادِ، بلْ نَمَا وترعرع! وإِنَّ الشّغفَ بالجدلِ والمناظرةِ في الفقهِ - وقد قُيِّدَ بالمذهبِ عند المقلِّدين في الفروعِ - وَجَدَ مُتَنَفّسًا في أصولِ الفقهِ في تحقيقِ نظرياتِه، وتحريرِ قواعدِه، وتشعيبِ مسائلِه، وكأنَّما الفقهاءُ إِذ قيَّدوا أنفسَهم في الفروعِ، قد أطلقوا لها الحريةَ في الأصولِ" (4) .
= الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ 165) ، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (1/ 115) .
وهناك كتب متعددة تحدثت عن المناظرة، والجدل والاعتراض على الأدلة، منها: التقريب لحد المنطق لابن حزم (في آخره حديثٌ عن المناظر، ص/ 586 وما بعدها) ، والمنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي، والمعونة في الجدل لأبي إِسحاق الشيرازي، والملخص في الجدل له، والمنتخل في الجدل لأبي حامد الغزالي، والجدل لابن عقيل الحنبلي، والإِيضاح لقوانين الاصطلاح لأبي محمد بن الجوزي، وعلم الجَذَل في علم الجدل للطوفي، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي.
(1) انظر: مقدمة ابن خلدون (3/ 1067) .
(2) انظر: المصدر السابق (3/ 1067 - 1068) ، والمدرسة الفقهية المالكية بالعراق للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (1/ 459) .
(3) انظر: تاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ 87) .
(4) الشافعي حياته وعصره (ص/ 306) . وانظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (1/ 209) .