ومِثلُ هذا المتمذهبِ لا يُعدّ مِن العلماءِ المحققين (1) ، ولقد وَصَفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ مَنْ هذا حالُه - فلم يَعْرِفْ إلا قولَ إمامٍ واحدٍ وحجته، دونَ قولِ المخالفِ وحجته - بأنَّه مِن العوامِّ المقلِّدين! (2) .
ويقولُ الشيخُ محمدٌ ناصر الدين الألباني عن بعضِ أربابِ المذاهبِ الفقهيةِ:"إنَّ المتمذهبَ بواحدٍ منها - أي: بالمذاهب - يتعصبُ له، ويتمسكُ بكلِّ ما فيه، دون أنْ يلتفتَ إلى المذاهب الأخرى وينظرَ؛ لعلّه يجد فيها مِن الأحاديثِ ما لا يجدُه في مذهبِه الذي قلَّده" (3) .
بلْ بَلَغَ الأمرُ في بعضِ الأقطارِ إلى عدمِ وجودِ مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، فضلًا عن الاطلاعِ عليها، يدلّ على هذا: ما قاله أبو إسحاقَ الشاطبي معلِّلًا قلةَ الاطلاعِ على كتب المذاهبِ الأخرى:"إذ كتبُ الحنفيةِ كالمعدومةِ الوجودِ في بلادِ المغربِ! وكذلك كتبُ الشافعيةِ وغيرِهم مِنْ أهلِ المذاهبِ" (4) . ويقولُ في موضع آخر:"إنَّ المذاهبَ الخارجةَ عن مذهبِ مالكٍ في هذه الأمصارِ مجهولةٌ" (5) .
وفي هذا الكلامِ ما يُعطي بعضَ المتمذهبين في بعضِ الأقطار في زمنٍ مضى شيئًا مِن العذرِ في عدمِ اطلاعِهم على المذاهبِ الأخرى؛ لعدمِ وجودِ مؤلفاتِ علمائِها.
ويبيّنُ الشاطبيُّ مَغَبَّةَ عدمِ الاطلاع على المذاهبِ الأخرى، فيقول:"إنَّ اعتيادَ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبما يُكسِبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ"
(1) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ 141) ، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (35/ 233) .
(2) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (35/ 233) .
(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج 1/ ق 1/ 543) .
(4) الموافقات (3/ 131) .
(5) المصدر السابق (5/ 102 - 103) . وانظر: نشر البنود (2/ 352) ، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 687) .