وجمالُ الدّينِ الإسنوي (1) .
القول الثالث: أنَّ علمَ الكلام ليس بشرطٍ في بلوغ رتبةِ الاجتهادِ مطلقًا.
وهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ الفخرِ الرازي (2) ، وهو قولُ عبدِ العزيز البخاري (3) ، وجلالِ الدّينِ السيوطي (4) .
وقد حَمَلَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ قولَ الرازي على القولِ الثاني، فقالَ:"وأطلق الرازيُّ عدمَ اشتراطِ علمِ الكلامِ، وفصّلَ الآمديُّ، فَشَرَطَ الضرورياتِ؛ كالعلمِ بوجودِ الربِّ سبحانه، وصفاته ... ولا يُشترطُ علمُه بدقائقِ الكلامِ، وكلامُ الرازي محمولٌ على هذا التفصيلِ" (5) .
وكلُّ مَنْ لم يرَ مشروعيةِ علمِ الكلام، فإنَّه يقولُ بعدمِ اشتراطِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ (6) .
• أدلةُ الأقوال:
دليل أصحاب القول الأول: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - على دليلٍ للقائلين باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، ويظهرُ لي بتأمّلِ الحالةِ العلميةِ للقرنِ الرابع الذي كان فيه القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (ت: 403 هـ) مدى الصراعِ الكلامي بينِ المعتزلةِ والأشاعرةِ، والذي امتدَّ أثرُه إلى المسائلِ الأصوليةِ، فَظَهَرَ الفكرُ الكلامي على هيئة علم مستقلٍّ، ولعل هذا هو ما دَفَعَ بأصحابِ القولِ الأولِ إلى القولِ باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ، والاعتدادِ به لبلوغِ مرتبةِ الاجتهادِ (7) .
(1) انظر: نهاية السول (4/ 553) .
(2) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (6/ 25) .
(3) انظر: كشف الأسرار (4/ 16) .
(4) انظر: شرح الكوكب الساطع (4/ 125) .
(5) انظر: البحر المحيط (6/ 204) .
(6) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 163) ، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (7/ 145 وما بعدها) .
(7) انظر: أدوات النظر الاجتهادي المنشود للدكتور قطب سانو (ص/ 45 - 47) .