أنْ يُضْرَبوا بالجريدِ والنعالِ ..." (1) . وقولُ الإمامُ أحمدَ:"لا يُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا، ولا تَكادُ تَرَى أحدًا نَظَرَ في الكلامِ، إلا وفي قلبِه دَغَلٌ (2) " (3) ."
فكيفَ يُقالُ: إنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ شرطٌ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؟ !
الثالث: أنَّ الأئمةَ المجتهدين مِن الصحابةِ - رضي الله عنهم - والتابعين وأئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ، متفقٌ على بلوغِهم رتبة الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ، مع عدمِ معرفتِهم بعلمِ الكلامِ.
الرابع: أنَّ ما استدلَّ به أصحابُ القولِ الثاني، لا يُؤَيّدُ قولَهم.
وتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ معرفةَ المجتهدِ لمسائلِ الاعتقادِ مِنْ ضرورةِ منصبِ الاجتهادِ؛ لما يشتمل عليه القرآنُ الكريمُ مِنْ تقريرِ مسائلِ العقيدةِ (4) .
• نوع الخلاف:
يظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين أصحابِ القولِ الثاني والقول الثالثِ خلافٌ لفظيٌّ؛ لأنَّ سببَ اشتراطِ أصحابِ الَقولِ الثاني قدرًا مِنْ علمِ الكلامِ؛ ليدخلَ به صاحبُه الإسلامَ (5) ؛ واشتراطُ إسلامِ المجتهدِ متفقٌ عليه بين القولين، والقدرُ الزائدُ عنه غيرُ مشروطٍ عند الفريقين.
ويبقى النظرُ في نوعِ الخلافِ بين هؤلاءِ، وبين أصحابِ القولِ الأولِ
(1) ذكر قولَ الإمام الشافعي: البيهقيُّ في: مناقب الشافعي (1/ 162) ، والبغداديُّ في: شرف أصحاب الحديث (ص/ 168) .
(2) الدَّغَل: الفساد. انظر: مجمل اللغة، مادة: (دغل) ، (1/ 328) ، والقاموس المحيط، مادة: (دغل) ، (ص/ 1291) .
(3) ذكر قولَ الإمام أحمد: ابنُ عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (2/ 942) ، وتقيُّ الدين بن تيمية في: درء تعارض العقل والنقل (7/ 147) .
(4) قارن بالمستصفى (2/ 386) .
(5) مع العلم أنَّ قول سلف الأمة عدم اشتراط ما يذكره المتكلمون من أنَّ أول واجب على المكلف أهو النظر، أم المعرفة؟ انظر: الاستقامة لابن تيمية (1/ 142) ، ودرء تعارض العقل والنقل له (7/ 352 وما بعدها) ، وفتح الباري لابن حجر (1/ 70) .