فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 1617

المذهب دليلٌ مِن الأدلةِ الشرعيةِ النقليةِ، وهذا ما لا يقولُه أحدٌ؛ فإِنَّ أجلةَ الَصحابةِ - رضي الله عنهم - مع قرب عهدِهم مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - خفيتْ عليهم بعضُ السننِ (1) .

وإِذا سُلِّم أنَّ إِمامَ المذهبِ قد تخفى عليه بعضُ السننِ، لم يكن القولُ بأنَّ تقليدَه في كلِّ حالٍ ولكلِّ شخصٍ أسلمُ، مسلَّمًا.

الوجه الثاني: قولكم:"إِنَّ صواب المتمذهب ..."دعوى غير مسلَّمةٍ؛ فإِنَّ المتمذهبَ إِذا قلَّد إِمامَه، وخالفَ إِمامَه غيرُه مِن العلماءِ - ممَّنْ هم مثله أو أعلم منه - لم يدرِ المتمذهبُ أهو على صوابٍ، أم على خطأٍ؟

وإِنَّما يكونُ المتمذهبُ أقربَ إِلى الصوابِ، إِذا عَرَفَ أنَّ الصوابَ مع إِمامِه دونَ غيرِه، وحينئذٍ لا نُثَرِّبُ فعله؛ لأنَّه عَرَفَ الدليلَ (2) .

ويمكن أن يجاب على الوجه الثاني: بأنَّ ما ذكرتموه في مناقشتِكم مُسلَّم لمنْ لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، أمَّا إِنْ كانَ المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ للنظرِ فيها - إِمَّا لتدرجِه في العلمِ وإِمَّا لضعفِ علمِه - فلا يُسلَّمُ لكم إِيجاب النظر عليه في الأدلةِ؛ لفقدِه الآلة.

الوجه الثالث: إِنَّ ما مثلتم به في دليلِكم حجةٌ عليكم! فإِنَّ مَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ إِذا اختلفَ عليه اثنانِ، وكلٌّ منهما يأمرُ بخلافِ ما يأمره به الآخرُ، فإِنَّه لا يُقْدِمُ على تقليدِ أحدِهما، بلْ يطلبُ الصوابَ مِنْ أقوالهما،

(1) ساق تقيُّ الدين بن تيمية في: رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ 7 - 17) ، ابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (4/ 19 - 28) ، والشنقيطي في: أضواء البيان (7/ 568 - 570) شواهد على عدم اطلاع بعض أجلة الصحابة - رضي الله عنهم - على بعض سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وانظر: الاستذكار لابن عبد البر (1/ 188) .

وهناك رسالة علمية بعنوان: (استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن - جمعًا ودراسة) للدكتور سليمان الثنيان، وقد طبعت في الجامعة الإِسلامية، عام 1429 هـ.

(2) انظر: إِعلام الموقعين (4/ 28 - 29) ، والدين الخالص للقنوجي (4/ 356) ، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ 124) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت