فهرس الكتاب
الوجه الثاني: لو سُلِّم أنَّه لم يكن في الصدرِ الأولِ للإِسلامِ التزامٌ لأقوالِ عالمٍ بعينه، فإِن عدمَ وجودِه لا يدلُّ على تحريمِه (1) ، ولا سيَّما في شأنِ المتمذهَبِ الَّذي لم يتأهلْ للنظرِ، والمتمذهب المتأهلِ الَّذي لم يتمكنْ مِن النظرِ.
الوجه الثالث: إِنَّ السببَ في عدم الالتزام بأقوالِ عالم في الصدرِ الأولِ هو أنَّه لم يكنْ ثمّةَ مذاهب محررةٌ مدونةٌ، يمكنُ معها التزامُ مذهب عالمٍ بعينِه (2) ، فكانَ العلماءُ يعلِّمون طلابَهم العلم، ويفتون الناسَ، ولم تكن مذاهبُهم مدونةً، وعدمُ تدوينِ أقوالِ العلماء في تلك العصورِ صارفٌ عن التمذهبِ بها.
الدليل العاشر: أنَّ الأئمةَ الأربعةَ، وإنْ كانوا مجتهدين، فهم بَشَرٌ، يصيبون ويخطئون، وقد يخفى عليهم شيءٌ مِن السننِ الواردةِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيفَ يجوزُ تقليدُهم؟ ! (3) .
يقولُ ابنُ عبد البر:"إِذا ثَبَتَ وصحَّ أنَّ العالمَ يخطئُ وَيزِلُّ، لم يجزْ لأحدِ أنْ يفتي، ويَدِين بقولٍ لا يعرِفُ وجهه" (4) .
ويقول ابنُ القيِّم:"إِنَّ العالمَ قد يَزِل ولا بُدّ؛ إِذ ليس بمعصومٍ، فلا يجوزُ قَبولُ كل ما يقولُه، وينَزلُ قوله منزلةَ قولِ المعصومِ" (5) .
وإذا ثَبَتَ أنَّ العالمَ يخطئُ، فكيفَ يجوزُ للمتمذهبِ أنَّ يُحلِّلَ ويُحرّمَ،
(1) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ 483) .
(2) انظر: المصدر السابق.
(3) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 86) ، وخطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 142) ، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (19/ 69) ، و (5/ 210) ، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ 35 - 36) ، وهداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ 86) ، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ 144) .
(4) جامع بيان العلم وفضله (2/ 983) .
(5) إِعلام الموقعين (3/ 453) .