فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 178

فإن كان ما وصفنا من ذلك كالذى وصفنا مثبتين أن لا بيان أبين ولا حكمة أبلغ ولا منطق أعلى ولا كلام أشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة، وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة كل خطيب منهم وبليغ، وشاعر منهم وفصيح، وكل ذى سجع وكهانة، فسفه أحلامهم وقصر عقولهم وتبرأ من دينهم ودعا جميعهم إلى اتباعه والقول فيه والتصديق به، والإقرار بأنه رسول إليهم من ربهم، وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته، وحجته على حقيقة نبوته ما أتاهم به من البيان والحكمة والفرقان بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق موافقة معانيه معانى منطقهم، ثم أنبأهم جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة، ومن القدرة عليه نقصه، فأقر جميعهم بالعجز، وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم بالنقص إلا من تجاهل منهم وتعامى واستكبر وتغاشى، فحاول تكلف ما قد علم أنه عنه عاجز، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر، فأبدى من ضعف عقله ما كان مستورًا، ومن عى لسانه ما كان مصونًا، فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق والجاهل الأحمق فقال"والطاحنات طحنًا والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا واللاقمات لقمًا"ونحو ذلك من الحماقات المشبهة دعواه الكاذبة، فإذا كان تفاضل مراتب البيان وتباين منازل درجات الكلام بما وصفنا قبل، وكان الله تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه أحكم الحكماء، وأحلم الحلماء، كان معلوما أن أبين البيان بيانه، وأفضل الكلام كلامه، وأن قدر فضل بيانه جل ذكره على بيان جميع خلقه كفضله على جميع عباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت