إن الفرض هو المرحلة الثانية في كل تفكير استقرائي جدير بهذا الاسم، إذ لا تكفي الملاحظة والتجربة في إدراك العلاقات الثانية بين الأشياء المتغيرة المتحولة، ولن يغني الباحث شيئا أن يكدس الملاحظات والتجارب على غير نسق، وعلى غير هدى، ولا قيمة لكل من الملاحظة والتجربة من الناحية المنهجية، إلا إذا وجدت روح الملاحظة وروح التجربة، أي إلا إذا وجد الفرض، وبديهي أن الاستقراء لو كان خلوا من عنصر الابتكار والكشف الذي يتمثل في الفرض، لما كان خليقا بأن يسمى منهجا، أو أن يقارن بينه، وبين المنهج القديم، فالظواهر الطبيعية هي المواد الأولية الضرورية لإنشاء أي علم من العلوم، وهي شبيهة بأحجار البناء، لا بد من تنظيمها وتنسيقها، كما تنظم وتنسق أحجار المنزل، إذا الفارق كبير بين الأحجار التي تستخدم في البناء، وبين المنزل، وقد تم بناؤه بالفعل، وإنما ينظم الباحث الظواهر، وينسقها بالتفكير التجريبي، أي بالفروض التي تنشئ العلم حقيقة وتدعمه. (13)
معنى هذا الكلام أن الباحث لا يبدأ بحثه بطرح فرضيات مسبقة دون الولوج إلى أغوار البحث ودروبه، إن المرحلة الأولى هي ما يسمى بمرحلة جمع المادة العلمية، وهي التي تشبه هنا بأحجار البناء، وأما المرحلة الثانية، فهي طرح الفروض التي يستقيها الباحث من هذه المادة العلمية، ومسألة طرح الفرض يسميها البحث العلمي قفزة في المجهول، لأن الاستقراء إذا كان في أبسط تعريف له هو الجمع المنظم للبيانات والملاحظات في نطاق موضوع محدد، فإن طرح الفرض على هذه البيانات والملاحظات خطوة تعسفية غير موجودة في الوقائع، أو هي قفزة في المجهول كما يقول محمود قاسم في كتابه"المنطق الحديث ومناهج البحث"ولا شك أن الخيال هو المقصود هنا، لأن جرأة التفكير هي السبب في إنتاجه. (14)