فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 178

مثلا حين يقرأ الباحث شعر الرومانسيين العرب الأوائل في بدايات القرن العشرين لا بد ستستوقفه عدة ملاحظات مهمة، أبرزها طبيعة تشكيل الصورة عندهم: مفرداتها وموضوعها، والروح التي تسري فيها، وسيلاحظ أن الصورة في شعرهم تباين في كثير من الأحيان ما استقر عند العرب من تقاليد شعرية في إبداع الصورة. إذا لم يلتفت الباحث إلى هذا التباين، فستمر عليه هذه الملاحظة المهمة مرور الكرام، أما إذا التفت إليها، فإنه سيطرح سؤالا مهما: من أين أتى هذا التباين؟ وهنا يأتي دور الفرضية، فالفرضية - في هذا الإطار - بمثابة إجابة عن سؤال محوري، لا يستطيع الباحث أن يتجاوزه، وهي إجابة قابلة للتعديل، بمعنى أنه إذا كانت هناك دلائل في قاعدة البيانات ترجح الفرضية، فإن انتقال الفرضية إلى مرحلة النظرية يحتاج إلى ملاحظات كثيرة تصب في صالحها، أي أن تكون الفرضية قابلة للتطبيق على عدد كبير من الملاحظات، وحين تتأكد الفرضية تتحول من كونها فرضية إلى نظرية.

إذن فالتمييز بين الفرض العلمي والنظرية يقوم على أساس كفاية البراهين المتزايدة، ومن ثم زيادة درجة الصدق، ويعد ذلك تمييزا نسبيا، وبناء عليه يجب أن يدرك الباحث أن الفرض ما هو إلا تنبيه مفيد، ولا يجب أن يعد أي نظرية أو قانون أو استنتاج توصل إليه بالطريقة العلمية حقيقة ثابتة ونهائية.

ولا يغيب عن الذهن أن أهم ما يهدف إليه أي بحث علمي، إنما هو الوصول إلى نظرية، أو قانون، أو مبدأ، أو تعميم معقول ومنطقي، ولا يمكن عد أي حل توصل إليه الباحث أكثر من أنه تفسير لظواهر، أو شواهد بشكل مقنع أو إلقاء ضوء بكثير من الثقة على شيء غامض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت