أصحابه الأحياء"وذهب لزيارة بيت المقدس والخليل، وعاد بعدها إلى نوى ومرض هناك في بيت والده، وقال ابن العطار:"بلغني مرضه، فقدمت من دمشق لعيادته ففرح بي وقال: ارجع إلى أهلك وودعته وقد أشرف على العافية يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة وتوفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، ودفن صبيحتها بنوى"، ووصل خبر وفاته إلى دمشق في ليلة الجمعة، قال:"فبينا أنا نائم تلك الليلة وإذا بمناد ينادي بجامع دمشق الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فبلغنا ليلة الجمعة موته وصُلِيَّ عليه بجامع دمشق، وتأسف المسلمون عليه تأسفًا بليغًا، ومنهم من توجه إلى قبره في نوى وقال السيوطي: فهو رضي الله عنه شهيد، جمع بين مرتبتي العلم والشهادة نفعنا الله به"، ورثاه كثير من العلماء بأشعارهم ولا يسع المقام لذكرها، فرحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته وأسال الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا به يوم القيامة."
ثناء العلماء عليه قال تلميذه ابن العطار: شيخي وقدوتي الإمام ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، وحيد دهره وفريد عصره، الصوام القوام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطامخة والمكرمات الواضحة، والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين، القائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والتمل بدقائق الفقه والاجتهاد عن الخروج من خلاف العلماء ولو كان بعيدا والمراقبة لأعماله وتصفيتها من الشوائب، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة، وكان محققا في علمه وكل شؤونه، حافظا لحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، عارفا بأنواعه كلها من صحيحه، وسقيمه وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، حافظا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم، وإجماعهم وما اشتهر من جميع ذلك، سالكا في كل ذلك طريق السلف، قد صرف أوقاته كلها في أنواع العمل، فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة والتدبر والذكر لله ـ تعالى ـ وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الشيخ قطب الدين موسى اليونيني الحنبلي:"المحدث الزاهد العابد الورع المفتخر في العلوم، صاحب التصانيف المفيدة، كان أوحد زمانه في الورع والعبادة والتقلل من الدنيا والإكباب على الإفادة والتصنيف مع شدة التواضع، وخشونة الملبس والمأكل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الكمال جعفر الأدفوي: إنه صنف تصانيف مفيدة حصل النفع بها، ودارت عليه الفتوى بدمشق. قال: ومآثره عزيزة عزيرة، ومضى على جميل وسداد. قال: وكان فقده من أعظم المصائب، وعدمه بليه رمت العباد بسهم من البلاء صائب، رحمه الله ونفعنا"