فيها، وأحبها من قلبه فلم يفارقها حتى مات ودُفن فيها، وكان وفيًّا لها فكتب تاريخها، ووصف أفراحها وانتصاراتها، وبكى أحزانها وأتراحها، وشارك في أحداثها، وكان له دور فاعل في ذلك حتى صار يُشار إليه بالبنان: محدِّثًا ومفسرًا، ومدرسًا ورئيسًا، ومصلحًا وداعيةً، ومعلمًا ومؤرخًا
ملامح شخصيته وأخلاقه: لقد حبا الله ابن كثير -رحمه الله- بكثيرٍ من الصفات الحميدة، والشمائل الكريمة، والخلال العذبة، والتي لا يتصف بها إلا العلماء الأخيار الأفذاذ؛ ومن هذه الصفات:
1 -الحفظ: وهب الله ابن كثير حافظة قوية، وذاكرة ممتازة، وموهبة متفوقة، فكان قادرًا على حفظ العلوم والمتون، واكتناز المعلومات، وظهر أثر ذلك في مصنفاته؛ فقد حفظ ابن كثير القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، كما صرَّح بذلك في تاريخ، وحفظ التنبيه في الفقه الشافعي، وعرضه سنة ثماني عشرة، وحفظ مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه [8] ، وحفظ المتون المتنوعة في العلوم؛ ولذلك وصفه عدد من العلماء بحفظ المتون، فقال شيخه الذهبي:"ويحفظ جملة صالحة من المتون والرجال وأحوالهم، وله حفظ ومعرفة وقال عنه تلميذه ابن حِجِّي:"كان أحفظ مَن أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك""
2 -الاستحضار: اقترنت صفة الحفظ عند ابن كثير بصفة أخرى وهي صفة الاستحضار؛ مما يدل على المنحة الإلهية له بقوة الذاكرة، وقلة النسيان. وهو من أعظم المواهب الإلهية، وأكبر ميزة للعالم والمصنِّف والفقيه؛ لذلك كان ابن كثير يستحضر المتون والكتب والعلوم حتى لفت نظر المحققين والمحدثين، فهو ينقل من مصادر عدة، ولكنه يضع المعلومات بصيغته وأسلوبه الخاص به، مما يرجح أنه كان يكتب ويصنف من ذاكرته وحافظته، ويتصرف بذلك حسب مقتضى الحال والمقام
3 -الفَهْم الجيد: هذه الصفة من المنح الإلهية للإنسان، ومن التوفيق الرباني له، وتتأثر بالعوامل المكتسبة عن طريق الإخلاص، والتقصِّي والدراسة، والاستيعاب والاجتهاد، وتحرِّي الدقة العلمية؛ مما تساعد صاحبها -بفضل الله تعالى وتوفيقه- على الفهم الجيد، والإدراك الصحيح، والاستنتاج المقبول لذلك يقول عنه تلميذه ابن حجي:"وكان فقيهًا جيد الفهم، صحيح الذهن"
4 -خفة الروح: وهذه الصفة من الصفات الحسنة للإنسان عامَّةً، ومن عوامل التفوق والنجاح في التدريس والوعظ خاصَّةً، وتدل على سماحة النفس، والاهتمام بالطلاب، والتخفيف عنهم، والترويح في التدريس
5 -الالتزام بالحديث والسُّنَّة: من صفات ابن كثير أنه كان حريصًا على التزام السنة، والدعوة إلى اتِّباع السلف، وهو ما يظهر عند مراجعة مؤلفاته وكتبه؛ ولا غرابة في ذلك فهو المحدِّث الفقيه الحافظ لأحاديث الرسول، وكان ابن كثير رحمه الله يحارب البدع، ويدعو إلى تركها، ويساهم في إنكارها، ويفرح لإبطالها، ويسجِّل هذه المشاعر والعواطف والمبادئ في كتبه ومصنفاته، وكان