فَكَانَ مِنْهَا مَا يَأخُذُ بلُبِّ الحَازِمِ اللَّبِيْبِ، ومِنْهَا مَا يَمْلِكُ لُبَابَ كُلِّ أدِيْبٍ، وبَيْنَهَا مَا يَقْمَعُ المُتَعَالمَ والمَجَاهِيْلَ، ومِنْهَا مَا يَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ المَرْأةِ والأرَاجِيْلِ.
إذَا ثَنَى قَلَمَهُ في بَحْثِ مَسْألَةٍ فحَدِّثْ ولا حَرَجَ، وإذَا اسْتَرْسَلَ في مَوْضُوْعٍ لا يَكَادُ عَنْهُ يَخْرُجُ، مَعَ فَصَاحَةِ لِسَانٍ، وبَلاغَةِ تِبْيَانٍ، لَهُ اليَدُ الطُّوْلى في حُسْنِ التَّصْنِيْفِ، وسَبْكِ العِبَارَةِ والتَّحْذِيْفِ، وبَرَاعَةِ التَّرتِيْبِ والتَّقْسِيْمِ، وجَوْدَةِ التَّحَرِّي والتَّقْوِيْمِ.
(شَيْخُ العُلُوْمِ الدِّيْنِيَّةِ، وابنُ بَجْدَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ، وقَاضِي الأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، وخِرِّيْتُ المَسَائِلِ النَّازِلَةِ العَصْرِيَّةِ، فإلَيْهِ الغَايَةُ، وعِنْدَهُ النِّهَايَةُ، بَحْرٌ زَاخِرٌ بالنَّقْلِيَّاتِ، وحَبْرٌ مَتَلَفِّعٌ بالعَقْلِيَّاتِ، نَسِيْجُ وَحْدِهِ، وفَرِيْدُ عَصْرِهِ، تَقْصُرُ العِبَارَةُ عَنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ على التَّفْصِيْلِ، وتَعْجَزُ الإشَارَةُ عَنْ إحَاطَةِ شَمائِلِهِ على وَجْهِ التَّكْمِيْلِ، ولَوْ شُرِعَ في تَفَاصِيْلِهَا لأوْقِرَ مِنْهَا الأحْمَالُ، ولثَقُلَتْ بِها أقْتَابُ الجِمالِ.
مَا زَالَ يَسْبِقُ حَتَّى قَالَ حَاسِدُهُ لَهُ طَرِيْقٌ إلى العَلْيَاءِ مُخْتَصَرُ
(بَلْ كَانَ رَحِمَهُ الله رَجُلًا قوَّالًا بالحَقِّ، أمَّارًا بالمَعْرُوْفِ نهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، تَبَّاعًا للسُّنَنِ وأقْوَالِ الصَّحَابَةِ، قَفَّاءً لآثَارِ السَّلَفِ أوْلي الإنَابَةِ، يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً، ويَتَلألأ زَكَاءً، إمَامٌ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وهُمَامٌ لا يَمِيْلُ إلى حَلاوَةٍ مِنَ المِنَّةِ.
نَعَم؛ هُوَ شَيْخُنا الإمَامُ الرَّبَّانيُّ، والسَّيْفُ اليَمانيُّ، المَسْلُوْلُ على المُتَعَالمِيْنَ والمُخَالِفِيْنَ، والشَّوْكَةُ الشَّجِيَّةُ في حُلُوْقِ أهْلِ الأهْوَاءِ المُبْتَدِعِيْنَ، قُدْوَةُ الخَلَفِ، وبَقِيَّةُ السَّلَفِ، رَجُلٌ ذَكِيْرٌ، وفَحْلٌ كَبِيْرٌ، ثَقْفٌ لَقْفٌ رَامٍ رَاوٍ، وَرِعٌ في تَصَوُّنٍ وزَهَادَةٍ، مُقْتَصِدٌ في الدُّنْيَا والقِيَادَةِ، لا يَكْتَرِثُ بنَضْرَتِها وبِهْجَةِ نَضَارِهَا، ولا يَلْتَفِتُ إلى دِرْهَمِهَا ودِيْنَارِهَا، طَنَّتْ بذِكْرِهِ الأمْصَارُ، وضَنَّتْ بمِثْلِهِ الأعْصَارُ!
فَقَدْ تَتَلْمَذَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله على أئِمَّةٍ أعْلامٍ، وعُلَماءٍ كِرَامٍ، فَقَدَ أخَذَ عِلْمَ «المَيْقَاتِ» عَنْ شَيْخِهِ القَاضِي صَالِحِ بنِ مُطْلَقٍ رَحِمَهُ الله (1385) ، وقَرَأ عَلَيْهِ خَمسًا وعِشْرِيْنَ مَقَامَةً مِنْ «مَقَامَاتِ الحَرِيْرِي» رَحِمَهُ الله (516) ، وكَذَا أخَذَ عَلَيْهِ كِتَابَ البُيُوْعِ مِنْ كِتَابِ «زَادِ المُسْتَقْنِعِ» .
وكَذَا أخَذَ عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ الحُجَّةِ الرَّبَّانيِّ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ بَازٍ رَحِمَهُ الله (1421) ، كِتَابَ الحَجِّ مِنْ «مُنْتَقَى الأخْبَارِ» للمَجْدِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله (652) ، وكَانَ ذَلِكَ في حَجِّ عَامِ (1385) .
وقَدْ لازَمَ الشَّيْخَ العَلاَّمَةَ المُفَسِّرَ الأصُوليَّ العَالمَ الرَّبَّانيَّ فَقِيْهَ المَذَاهِبِ مُحمَّدَ الأمِيْنَ الشِّنْقِيْطِيَّ رَحِمَهُ الله، نَحْوَ عَشَرَ سِنِيْنَ؛ حَتَّى وَفَاتِهِ عَامَ (1393) ، فَقَرَأ عَلَيْهِ في تَفْسِيْرِهِ «أضْوَاءَ البَيَانِ» ،