ورِسَالَتَهُ «آدَابَ البَحْثِ والمُنَاظَرَةِ» ، وانْفَرَدَ أيْضًا بأخْذِ عِلْمِ النَّسَبِ عَنْهُ، كَما قَرَأ عَلَيْهِ كِتَابَ «القَصْدِ والأمَمِ» ، وأيْضًا بَعْضَ كِتَابِ «الأنْبَاهِ» كِلاهُمَا لابنِ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ الله (463) ، وكَذَا بَعْضَ الرَّسَائِلِ.
(ولشَيْخِنَا رَحِمَهُ الله عِنَايَةٌ بالإجَازَاتِ العِلْمِيَّةِ؛ حَيْثُ اسْتَجَازَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ المَعْنِيِّيْنَ بالإجَائِزِ، حَيْثُ أخَذَ مِنَ الشَّيْخِ سُلَيْمانَ بنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ الحَمْدَانَ النَّجْدِيِّ الحَنْبَليِّ(1397) ، ولَدَيْهِ نَحْوَ عِشْرِيْنَ إجَازَةً مِنْ عُلَماءِ الحَرَمَيْنِ والرِّيَاضِ والمَغْرِبِ والشَّامِ والهِنْدِ وإفْرِيقِيَا وغَيْرِهَا، وقَدْ جَمَعَهَا في ثَبَتٍ مُسْتَقِلٍّ، ولم يُطْبَعْ بَعْدُ!
فَقَدْ أسْبَغَ الله على شَيْخِنَا رَحِمَهُ الله وَافِرَ نِعَمِهِ، وألْبَسَهُ ثَوْبَ العِلْمِ وقَدَّمَهُ؛ حَيْثُ نَالَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله شَرَفَ الإمَامَةِ والخَطَابَةِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ خَمْسَ سِنِيْنَ مَا بَيْنَ عَامِ (1391) إلى عَامِ (1396) ، قَضَاهَا نَوْبَةً مَعَ إخْوَانِهِ أهْلِ العِلْمِ والنَّبَاهَةِ، فَكَانَ خَطِيْبًا مُفَوَّهًا، وإمَامًا مُجَوِّدًا، وكَذَا جَلَسَ للتَّدْرِيْسِ والتَّعْلِيْمِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَشْرَ سِنِيْنَ مَا بَيْنَ عَامِ (1390) إلى عَامِ (1400) .
ومَا زَالَ شَيْخُنَا في دُوْرِ العِلْمِ يُعْطِي ويُعَلِّم؛ حَتَّى عُيِّنَ للقَضَاءِ في المَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً، مَا بَيْنَ عَامِ (1388) إلى عَامِ (1400) ، ثُمَّ عُيِّنَ أيْضًا وَكِيْلًا عَامًا لوَزَارَةِ العَدْلِ فمَكَثَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، مَا بَيْنَ عَامِ (1400) إلى عَامِ (1412) !
وفي عَامِ (1412) صَدَرَ أمْرٌ مَلَكِيٌّ بتَعْيِيْنِهِ عُضْوًا في اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ للبُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ والإفْتَاءِ، وهَيْئَةِ كِبَارِ العُلَماءِ.
وفي عَامِ (1405) صَدَرَ أَمْرٌ مَلَكِيٌّ بتَعْيِيْنِهِ مُمثِّلًا للمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُوْدِيَّةِ في مَجْمَعِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ الدَّوْليِّ المُنْبَثِقِ عَنْ مُنَظَّمَةِ المُؤْتَمرِ الإسْلامِيِّ، وفِيْهَا أيْضًا اخْتِيْرَ رَئِيْسًا للمَجْمَعِ، وكَذَا في عَامِ (1046) عُيِّنَ عُضْوًا في المَجْمَعِ الفِقْهِي برَابِطَةِ العَالمِ الإسْلامِيِّ.
وهَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله يَتَقَلَّبُ في أنْعُمٍ وَفِيْرَةٍ، ومَنَاقِبَ شَهِيْرَةٍ، فرَحِمَهُ الله وَبَلَّ بالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ!
وبَيْنَا شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله في صَوْلاتٍ عِلْمِيَّةٍ، وجَوْلاتٍ أدَبِيَّةٍ، هُنَا وهُنَاكَ إذْ دَبَّتْ إلَيْهِ مَكَائِدُ غَوِيَّةٍ، ودَفَائِنُ مَطْوِيَّةٍ، مِنْ مَجَاهِيْلِ أدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ، وتَنَابِيْلِ أغْبِيَاءِ الخَلَفِيَّةِ، ومِنْ وَرَائِهِم مَجَامِيْلُ في المُنَازَعَةِ، ومَخَاتِيْلُ في المُخَادَعَةِ، فَرَدَّ الله كَيْدَ كُلٍّ في نَحْرِهِ، ونَجَّاهُ بلُطْفِ مِنْهُ وتَدْبِيْرٍ، وجَعَلَ أعْدَاءهُ في دَبِيْرٍ، فَلَمْ يُبْقِ لهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، ومَا جَرَتْ لهُم سَاقِيَةٌ، والله نَاصِرُ أوْلِيَائِهِ، في الحَيَاةِ وبَعْدَ المَمَاتِ!