العَطِرة، ومن استِفادة كافَّة العُلَماء - فضلًا عن طلبة العلم - على تعدُّد مشاربهم من مؤلَّفات هذا الإمام العِملاق؛ فكتبه: كـ"رياض الصالحين"، و"التبيان"، و"المجموع"، وغيرها تُقرَأ في المعاهد العلميَّة وتُنثَر دُرَرُها بين العُلَماء وطلَبَة العلم والعامَّة في كلِّ حين، وإنه لَيَجْدُرُ بنا أن نقول في حقِّه: إنَّه ما جاء بعدَه من عالمٍ ولا متعلِّم إلا وللإمام النَّوَوِيِّ - رحمه الله تعالى - في عنقه منَّة - نحسبه كذلك، ولا نزكِّي على الله أحدًا هذا، وقد بارَك الله - سبحانه وتعالى - له في عمره؛ لأنَّ هذه الخيرات التي ترَكَها كلها والتي سردُها أو نشْرُها علم، واقتناؤها حلم، وفهمها غُنم، والواحِد مِنَّا يَعجِز - إلا من رحم الله تعالى - عن قراءَتها فكيف بتأليفها؟! وقد وفَّقه الله - تعالى - في تأليفها وعمره لم يَتجاوَز الخامسة والأربعين سنة؛ إذ إنَّ ميلاده كان سنة (631 هـ) ، ووفاته كانت سنة (676 هـ) ، ولكن فضل الله يُؤتِيه من يشاء.
هو يحيى بن شرف بن مُرِي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزام الحزامي النَّووي الحوراني، الدمشقي، الشافعي.
كنيته:
أبو زكريا، كانت العرب تكني الرجل بأحد أولاده، وجاءت كنية إمامنا على غير القياس، وقد يكنى الصبي في الصغر تفاؤلًا بأن يعيش ويصير له ولد يسمى بذلك الاسم، كما ورد في الأثر عن أنس ٍرضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: (( يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ) ). الحديث متفق عليه ,والكنية سنة محمودة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمعروف عن الإمام النووي أنه كان لا يكني نفسه كما ورد في رسائله، لكنَّه كان يحثُ على ذلك، فقال في المجموع:"ويستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء سواء أكان له ولد أم لا، وسواء كُني بولده أو بغيره، وسواء كُني الرجل بأبي فلان أو بأبي فلانة، وسواء كُنيت المرأة بأم فلان أو أم فلانة"، واشتهرت كنيته ممن تحدث عنه، وإنما لم يفعل ذلك لِما جُبل عليه من الفضل والتواضع وإنما كُنْيَّ بأبي زكريا لأنَّ اسمه يحيى، والعرب تكني من كان كذلك بأبي زكريا ويعقوب، وإسماعيل بأبي إبراهيم، وغيره
والإمام النووى -رحمه الله - مع أنَّه من العُلَماء العزَّاب، الذين آثَرُوا العلم على الزواج؛ وإنما كُنِّي لأنَّ ذلك من السُّنَّة، وهو أن يكنى المسلم ولو لم يتزوَّج، أو لم يولد له، أو حتى لو كان صغيرًا، وقد قالت السيدة عَائِشَةُ - رضِي الله عنها - للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، كلُّ نسائك لها كنية غيري، فقال لها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( اكتَنِي أنت أم عبدالله ) )،