يعلم قطعًا أنهم بُرآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة, التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة, وأنهم أتقى لله من أن يقرأوا بها, ويُسوِّغوها, ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب, ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن, ويقرأونه بِشجَىً تارة, وبِطَربٍ تارة, وبِشوق تارة, وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه, ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له, بل أرشد إليه وندب إليه, وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به, وقال: (( لَيسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغنَّ بِالقرآنِ ) )وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلُّنا نفعله, والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته - صلى الله عليه وسلم -). انتهى.
وتأمل قوله: (( من غير تكليف ولا تمرين ولا تعليم ) )فإنه فقه عظيم له دلالاته, فرحم الله ابن القيم ما أدق نظره وفقهه.
8 -هَذُّه كَهَذِّ الشِّعر.
أما هَذُّه (( حَدْرًا ) )بمعنى إدراج القراءة مع مراعاة أحكامها وسرعتها بما يوافق طبعه, ويخف عليه, فلا تدخل تحت النهي, بل هذه من أنواع القراءة المشروعة.
9 -قراءة الهذرمة.
10 -ومما يُنهى عنه (( التَّقلِيس ) ) [1] بالقراءة, وهو رفع الصوت ومنه في وصف الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى لأبي يوسف قوله: (( كان أبو يوسف: قلاسًا ) )أي يرفع صوته بالقراءة وهذا جر إلى إحداث وضع اليدين على الأذنين عند القراءة.
11 -القراءة بالإِدارة, وهي تناوب المجتمعين في قراءة آية, أو سورة, أو سور إلى أن يتكاملوا بالقراءة ولا تعني هذه المشروع في مدارسة القرآن. والإِدارة بدعة قديمة, أنكرها الأئمة: مالك وغيره, وصدر بإنكارها فتاوى, وألفت رسائل [2]
(1) فائدة: في مادة (( قلس ) )من (( تاج العروس 16/ 195 ) )قال: (وقال الليث: التقليس: أن يضع الرجل يديه على صدره ويخضع, ويستكين, وينحني, كما تفعل النصارى قبل أن يكفروا, أي قبل أن يسجدوا.
وفي الأحاديث التي لا طرق لها: (( لما رأوه قَلَّسوا له ثم كفروا ) )- أي سجدوا - انتهى.
وفي رواية المزني عن أحمد رحمه الله تعالى ويكره أن يجعلهما على الصدر, وذلك لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التكفير - وهو وضع اليد على الصدر. انتهى من: بدائع الفوائد 3/ 91. وعنه: التقريب لفقه ابن القيم برقم / 354. فهذان النقلان بحاجة إلى مزيد من التحرير والتأمل. وانظر (فصل المقال في شرح الأمثال) ففيه بحث مهم في مادة (( كفر ) )منه. والدعاء للعروسي: 2/ 583 حاشية رقم / 4 وفي: (( فتح الباري ) )لابن رحب الحنبلي: 8/ 437, 348 بحث عن التقليس بمعنى ضرب الدف في العيد.
(2) وانظر: الفتاوى للشاطبي ص / 197, 200, 206. المعيار المعرب 11/ 112, 113.