فَهُنَا؛ غَلَبَتْنِي المَغَالِبُ، ورَزَأتْنِي الرَّزَايَا، وهَمْهَمَتِ النَّفْسُ بالصُّعَدَاءِ، وأبْدَتِ العَيْنَ البُكَاءَ، وحَشْرَجَ الصَّدْرُ بالآهَاتِ والنِّدَاءِ، يَوْمَ جَاءَ الخَبَرُ يَجُرُّ النَّفْيْرَ، ويُهَيِّجُ الزَّفِيْرَ!
ومَا أحْسَنَ مَا قَالَهُ أبو الحَسَنِ البَرْمَكِيُّ:
رَحَلْتُمْ فَكَمْ مِنْ أنَّةٍ بَعْدَ زَفْرَةٍ مُبَيِّنَةٍ للنَّاسِ شَوْقِي إلَيْكُمُ
وقَدْ كُنْتُ أعْتَقْتُ الجُفُوْنَ مِنَ البُكَا فَقَدْ رَدَّهَا في الرِّقِّ حُزْني عَلَيْكُمُ
ومِنْ ضُرُوْبِ الأسَفِ؛ أنِّي بَيْنَا أنَا آخِذٌ بلِجَامِ القَلَمِ رَاكِضًا في نَمْنَمَةِ ومُرَاجَعَةِ كِتَابي «ظَاهِرَةِ الفِكْرِ التَّربَوِيِّ» تَبْيِيْضًا وتَرْوِيْضًا إذْ طَنَّتْ نَائِحَةُ اللُّغَةِ عَزَاءً في فَقِيْدِهَا وعَمِيْدِهَا الشَّيْخِ بَكْرٍ أبو زَيْدٍ رَحِمَهُ الله، فَجَمَحَ القَلَمُ بيَدِي، وهَزَّ عَضُدِي، وأذْرَفَ هُنَا دَمْعَةً مِهْرَاقَةً في رِثَاءِ شَيْخِي وشَيْخِهِ:
فَيَا أيُّها اليَلْمَعُ العَرُوْفُ، والمَعْمَعُ اليَهْفُوْفُ: لَقَدْ مَاتَ بَلِيْغُ نَجْدٍ وأدِيْبُهَا، حَارِسُ حِيَاضِ العَقِيْدَةِ ورِيَاضِهَا، المُتَفَرِّعُ عَنِ اللَّغَةِ بأفْنَانٍ وفُنُوْنٍ، وعَنْ دَوْحَاتِهَا بخِيْطَانٍ وغُصُوْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ يَرْضَى مِنَ الفِقْهِ بالسَّافِيَةِ عَنِ الشَّحْوَاءِ، ولا ممَّنْ اهْتَافَ بِهِ رِيْحُ الشَّقَاءِ!
وبَعْدُ؛ فَهَذِهِ طِلْبَةٌ واسْتِجْدَاءٌ لرُوَّامِ العِلْمِ وطُلاَّبِهِ بَعْدَ وَفَاةِ حَبِيْبِ النَّفْسِ أدِيْبِ الحِسِّ، بكَرٍ أبو زَيْدٍ: مَنْ يَأخُذِ القَلَمَ بحَقِّهِ؟ * *
(مَاتَ شَيْخُنَا بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله أبُو زَيْدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ بَكْرِ بنِ عُثَمانَ بنِ يَحْيَى بنِ غَيْهَبِ بنِ مُحَمَّدٍ القُضَاعِيُّ، مِنْ قَبِيْلَةِ بنِي زَيْدٍ القُضَاعِيَّةِ المَشْهُوْرَةِ في حَاضِرَةِ الوَشْمِ، وعَالِيَةِ نَجْدٍ، وفِيْهَا مَسْقَطُ رَأسِهِ، وذَلِكَ عَامُ ألْفٍ وثَلاثْمائَةٍ وخَمْسٍ وسِتِّيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ(1365) ، فرَحِمَهُ الله، وجَعَلَ الجَنَّةَ مَأوَاهُ، وطَيَّبَ ذِكْرَهُ ومَثْوَاهُ، آمِيْنَ يَا رَبَّ العَالمِيْنَ!
(نَعَمْ؛ مَاتَ مَنْ جُبِلَ على العِلْمِ طَبْعُهُ، وعُمِّرَ بحُبِّ الفَضْلِ رَبْعُهُ، فَظَلَّ للعَقِيْدَةِ حَارِسًا أمِيْنًا، وللُّغَةِ صَاحِبًا قَرِيْنًا، وللآدَابِ سَمِيْرًا خَدِيْنًا، قَدْ عُجِنَتْ بالظَّرَافَةِ طِيْنَتُهُ، وسِيْرَتْ باللَّطَافَةِ سِيْرَتُهُ، كَانَ سَحَابَةَ عِلْمٍ على الطَّالِبِ والوَافِدِ، وعُبَابَ أدَبٍ لا تُكَدِّرُهُ دِلاءُ الصَّادِرِ والوَارِدِ، لَهُ مِنَ الأدَبِ مَآدِبُ تُغَذِّي الأرْوَاحَ، ومِنَ الكَلامِ لَهُ سُلافَةٌ تَهُزُّ الأعْطَافَ المِرَاحَ.
(وقَالَ بَعْضُهُم:
أرَى العِلْمَ نُوْرًا والتَّأدُّبَ حِلْيَةً فَخُذْ مِنْهُما في رَغْبَةٍ بنَصِيْبِ
ولَيْسَ يَتِمُّ العِلْمُ في النَّاسِ للْفَتَى إذَا لم يَكُنْ في عِلْمِهِ بأدِيْبِ
(وقَالَ آخَرُ:
مَنْ كَانَ مُفْتَخِرًا بالمَالِ والنَّسَبِ فإنَّمَا فَخْرُنَا بالعِلْمِ والأدَبِ
لا خَيْرَ في رَجُلٍ حُرٍّ بِلا أدَبٍ لا، لا، وإنْ كَانَ مَنْسُوْبًا إلى العَرَبِ