وطَارَ بِها الطِّلْبَانِ، فَاقَتْ عُقُوْدَ الجُمانِ، وسَابَقَتْ قَلائِدَ العِقْيَانِ، تَضَوَّعَ مِسْكُ ثَنَايَاهَا، وتَفَوَّحَ عَبِيْرُ خَفَايَاهَا، تَنْهَلُ مِنْهَا المَوَارِدُ، وتَصْدُرُ عَنْهَا المَزَاوِدُ، آثَارُهَا في العَالمِيْنَ مَكْتُوْبَةٌ، وثِمارُهَا في الخَافِقِيْنَ مَجْلُوْبَةٌ، فَهِيَ بحُسْنِ سَبْكِهَا غُرَّةٌ في جَبْهَةِ الزَّمَانِ، ودَلَّةٌ يقْتَدِي بِها أهْلُ العَدْلِ والإحْسَانِ، كَأنَّها صُنُوْجُ العَسْجَدِ تُصَفَّقُ، أو دَنَانِيْرُ مِنَ الإبْرِيْزِ تَبْرُقُ ... !
وحَسْبُهُ أنَّ الله تَعَالى نَشَرَ كُتُبَهُ في حَيَاتِهِ، وحَفِظَهَا بطُلابٍ بَعْدَ ممَاتِهِ، وجَعَلَ لهَا قَبُوْلًا في مَشَارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبِهَا، وإقْبَالًا مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ وطُلابِهَا، ارْتَضَاهَا أهْلُ العِلْمِ على اخْتِلافِ مَشَارِبِهِم، وتَنَوُّعِ طَرَائِقِهِم وأفْكَارِهِم، فللَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ!
ولَيْسَ الإطْنَابُ فِيْهَا بكَثِيْرٍ، ولكِنْ يَكْفِي مِنَ القِلادَةِ مَا أحَاطَ بالعُنُقِ.
(فلشَيْخِنَا رَحِمَهُ الله مِنَ التَّآلِيْفِ العِلْمِيَّةِ، والرَّسَائِلِ القَيِّمَةِ، والتَّحْقِيْقَاتِ المُجَوَّدَةِ، والفَتَاوَى المُحَرَّرَةِ مَا يُقَارِبُ السَّبْعِيْنَ أو يَزِيْدُ، والمَطْبُوْعُ مِنْهَا قَرَابَة بِضْعٍ وسِتِّيْنَ فِيْما أعْلَمُ، كَما أنَّه رَحِمَهُ الله قَدْ أكَّدَ لخَوَاصِهِ مِنَ طُلابِ العِلْمِ، وكَذَا قَدْ وَعَدَ في مَثَاني كُتُبِهِ أنَّهُ عَازِمٌ على إخْرَاجِ بَعْضِ الكُتُبِ المُفِيْدَةِ، والرَّسَائِلِ العَدِيْدَةِ ... فمِنْهَا مَا أظْهَرَ اسْمَهَا، وأُخْرَى قَدْ أضْمَرَ رَسْمَهَا، ونَحْنُ في انْتِظَارٍ لاسِيَّما مِنْ أبْنَائِهِ النُّجَبَاءِ، وطُلابِهِ الأكْفَاءِ، والوُعُوْدُ عُهُوْدٌ.
(وهَذِهِ ثَانِيَةً؛ أنَّهُ رَحِمَهُ الله كَانَ لَهُ عِنَايَةٌ تَامَّةٌ لامَّةٌ بكُتُبِ شَيْخِ الإسْلامِ الإمَامِ الحَافِظِ أبي عَبْدِ الله مُحمَّدِ بنِ أبي بَكْرٍ أيُّوْبَ ابنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ رَحِمَهُ الله(751) ، وهَذَا مَا يَشْهَدُ لَهُ أهْلُ العِلْمِ والحِجَى، بَلْ أصْبَحَ اسْمُ بَكْرٍ قَرِيْنًا باسْمِ ابنِ القَيِّمِ، فَلا يُذْكَرُ أحَدُهُما إلاَّ وذُكِرَ الآخَرُ، فللَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، و «المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» ! مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وثَالِثَةً؛ أنَّ مَجْمُوْعَ أطَارِيْحِهِ رَحِمَهُ الله(المَاجِسْتِيْر والدَّكْتُوْرَاه) كَانَتْ دِرَاسَةً مُحَرَّرَةً عَنْ فِقْهِ ابنِ القَيِّمِ، فرِسَالَتُهُ (للمَاجِسْتِيْر) كَانَتْ بعُنْوَانِ «الحُدُوْدِ والتَّعْزِيْرَاتِ عِنْدَ ابنِ القَيِّمِ» ، ورِسَالَتُهُ العَالمِيَّةُ (الدُّكْتُوْرَاه) كَانَتْ بعُنْوَانِ «أحْكَامِ الجِنَايَةِ على النَّفْسِ ومَا دُوْنَها عِنْدَ ابنِ القَيِّمِ» ، مَعَ ضَمايِمَ دَائِرَةٍ في فَلِكَ عُلُوْمِ ابنِ القَيَّمِ رَحِمَهُ الله، مِثْلُ: «ابنِ قِيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، حَيَاتُهُ وآثَارُهُ» ، و «التَّقْرِيْبِ لعُلُوْمِ ابنِ القَيِّمِ» ، وغَيْرِهَا مِنْ مَعْلَمَةِ ابنِ القَيِّمِ.
حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهَا وأنْفَعِهَا وأوْسَعِهَا: المَشْرُوْعُ القَيِّمِ، الجَامِعُ لعَلُوْمِ وكُتُبِ ابنِ القَيِّمِ، وذَلِكَ بإخْرَاجِ تُرَاثِ مَعْلَمَةِ ابنِ القَيِّمِ العِلْمِيِّةِ، وتَقْرِيْبُهَا لعَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ؛ حَيْثُ قَامَ رَحِمَهُ الله بفِكْرَةِ إخْرَاجِ المَعْلَمَةِ القَيِّمَةِ لمَجَامِيْعِ عُلُوْمِ ابنِ القَيِّمِ وآثَارِهِ العِلْمِيَّةِ، وذَلِكَ تَحْتَ إشْرَافِهِ، فعِنْدَهَا خَرَجَتْ طَلائِعُ كُتُبِ ابنِ القَيِّمِ في مَجْمُوْعَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، بَعْدَ تَنْضِيْدِهَا ومُرَاجَعَتِهَا، وإخْرَاجِهَا بتَحْقِيْقَاتٍ عِلْمِيَّةٍ، وطَبَعَاتٍ قِيَّمِةٍ، وبأسْعَارٍ زَهِيْدَةٍ. وقَدْ خَرَجَ مِنْهَا حَتَّى سَاعَتِي هَذِهِ مَجْمُوْعَتَانِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مُجلَّدًا، فَجَزَاهُ الله عَنْ ابنِ القَيِّمِ والمُسْلِمِيْنَ خَيْرَ الجَزَاءِ!