ذكرت للشيخ بكر مرة أن كرد علي قال في مذكراته:"ابن تيمية للإسلام كمارتن لوثر للنصرانية"؛ فدهش .. واستعاد الكلمة مني، ثم أخذ وجهه يتهلل في جلال من ألق آخذ لم أره في وجه فاتر الذهن قط.
قال ابن حزم:"لذة العالم بعلمه".
جمعتني بالشيخ عدة مجالس في بيته، ودارت بيننا أحاديث كثيرة عن العلم وأهله .. لم أكن من خاصة تلاميذه، ولا من خلص أصفيائه، وإنما كنت - ولا أزال - طويلب علم صغيرًا أنس به الشيخ لشيء رآه فيه، ثم إن هذا الطويلب عاد فأخلف ظن الأستاذ .. فيالله ماذا الأيام وما الذي تصنعه مآلات الأمور بنا؟
كنت ألقاه في الشهرين والثلاثة مرة أو نحوها مدة أربع سنوات، فلما مرض - رحمه الله - انقطعت أسبابي عن أسبابه فما رأيته قبل وفاته بثماني سنين.
وهذا الذي أذكره هنا"شيء"من فوائد تلك المجالس، ما كنت عقلت منه حرفًا في حياة الشيخ ..
لكن كتبته في هذه الأيام ضنًا به على الأيام أن تطويه .. ولأن العقاد كان يقول:"الذاكرة ملكة مستبدة، تحفظ وتنسى على غير قانون ثابت"؛ فما في هذه الفوائد مما يلوح أنه على غير وجهه فالشيخ بريء منه، وإنما تبعته على هذه الملكة المستبدة، وإن شئت فقل: أو على صاحبها.
ثم إني سقت هذه الفوائد هكذا عفو الخاطر كيف اتفق، فلم أرتبها على بابات العلم بابة بابة .. ليكون أروح لنفس قارئها، ولم أعلق على ما ورد فيها إلا يسيرًا، حتى تكون أدخل في فطرة العلم منها في صنعته، إذ كانت تلك المجالس مع الشيخ على هذا المثال:
1 -قال لي الشيخ - رحمه الله - ما ندمت على شيء في شبابي ندمي على كتابين فرطت فيهما:
أ- كتاب الزهد للإمام أحمد رحمه الله - كنت في مكة فمررت في طريقي على كتبي فإذا به قد عرض نسخًا من كتاب الزهد هذا طبع الهند، وكان إذ ذاك نادرًا .. فسألته عن ثمنه فكأن الثمن كان مرتفعًا فتركته، فقال لي الكتبي: خذ نسخة منه ولا تتركه فهو نادر وستندم على تركه فإنما وجدناه في أحد المستودعات، قال الشيخ: فلم آخذ نسخة منه ..
وذهبت بعد كلامه هذا مباشرة لزيارة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - وقد كان يعرف محبتي للكتب ويسألني عما رأيته منها في المكتبات - فأخبرته عن كتاب الزهد فقال: وما اشتريت منه شيئًا؟