أكبر من مستوى قدرة الإنسان، والدقة المتناهية في كل شيء أكبر من مستوى علم الإنسان، فيشعر بأن هناك قوة خارجية مهيمنة هي التي تسيطر على كل شيء وهي التي تفعل كل هذه الأمور.
ـ مسألة خرق الأسباب أشد من السحر لأن السحر خيال وليس خرق للأسباب، فإذا كان الإنسان عندما يرى السحر أمام عينه فإنه يشعر بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب والانبهار والذهول والدهشة من روعة ما يرى، فإن ذلك يكون أشد إذا كان هذا السحر حقيقة.
ـ فالإله هو الذي تشعر له بهذه المشاعر، أي أن التأله معناه التحير والانزعاج والدهشة والتعجب والانبهار والذهول والاستغراب والدهشة من روعة ما يرى، وهذه المشاعر هي الحالة النفسية المميزة للشعور بخرق الأسباب فإذا لم تكن هذه المشاعر موجودة فهذا يعني عدم وجود الشعور بوجود الخالق، فالإنسان إذا رأى أمرا خارقا للأسباب ولم يتحير ويتعجب دل ذلك على أنه لا عقل له وكأنه ليس بإنسان وكأنه ميت لأنه يخالف صفات البشر، وكل شيء حول الإنسان هو أمر خارق للأسباب لأن وجوده فوق قدرة البشر، بل إن وجود الإنسان نفسه لا يستطيعه البشر فهو أمر خارق للأسباب، ومع ذلك يعيش كأنه لا شيء: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ )) [1] .
ـ فمعنى كلمة (إله) في اللغة أي الذي تتحير وتندهش وتتعجب وتعجب وتنبهر من مدى عظمة صفاته والتي تتمثل في خرق الأسباب فتحبه إعجابا بمدى قدرته الهائلة وتخاف من هيبته، ففي النهاية في غريب الأثر: (( ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر، يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبْغَض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ) [2] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ... إذا وَقَع العَبْد في هذه الدَّرجَة لم يُعْجِبهُ أَحد ولم يُحبّ إلا الله عز وجلَّ َّ ) ) [3] .
ـ تحقيق الشعور بوجود خالق للأسباب:
ـ قد يكون الإنسان على اقتناع نظري تام بأن الله هو النافع الضار الشافي الرازق الوكيل الكفيل وأن كل شيء بيد الله وأنه متوكل على الله تماما، لكن حقيقة مشاعره تقول أن كل شيء بالأسباب، وأن الدواء هو الذي يشفي، وأن كل شيء يمكن صناعته بالعمل، وكل شيء يمكن شراءه بالمال، وأنه يحصل على المال من كده وتعبه، وأن الأسباب هي التي تفعل كل شيء، فشعوره بالخضوع يكون للأسباب وشعوره بالخوف متعلق بالأسباب وشعوره بالحب للأسباب، لذلك فهو يعيش في عالم الأسباب كل شيء عنده بالحساب وبالتخطيط وبالاستقراء وبالمعادلات الرياضية، فهو رجل مادي لا مشاعر له، ويرى أن المشاعر نفسها يمكن صناعتها بالأسباب!.
ـ فمشاعره تقول بأن الأسباب هي التي تنفع وتضر وما يأتي له من مال ليس رزقا وإنما بالأسباب، وهو يعتمد ويتوكل على عقله وماله وجاهه وفلان، ويفسر كل شيء بالأسباب فما حدث كان لأسباب وما سيحدث فهو بأسباب، والفوز عنده هو الفوز في الدنيا والخسارة هي الخسارة في الدنيا، رغم اليقين النظري التام بأن الله هو النافع الضار وبأن ما يأتيه هو رزق وبأنه متوكل على الله وبأن الفوز الحقيقي إنما هو الفوز بالجنة.
ـ فهو يقوم بإيقاف تفكيره خارج حدود الأسباب أو يكون تفكيره سطحيا، بل إنه لا يشعر بأنه يمكن أن يكون هناك شيء خارق للأسباب، فيرى أن الأسباب هي التي أوجدت كل شيء.
ـ والذي يعبد الأسباب لا يشعر بالثواب والعقاب الأخروي وإنما يشعر بالنتائج التي هي في الدنيا والتي هي ثمرة العمل والأسباب، فهو يشعر فقط بما هو محسوس وبالأسباب والنتائج، فهو يقوم بالعمل على أساس المكسب والخسارة الدنيوية، فالآخرة موجودة عنده فقط في الاقتناع والمعرفة النظرية فقط وليس للآخرة وجود في مشاعره وهمومه
(1) الطور: 35، 36
(2) النهاية في غريب الأثر ـ المكتبة العلمية - بيروت (1/ 62)
(3) غريب الحديث لابن قتيبة ـ مطبعة العاني - بغداد (3/ 728 ـ 728)