وتفكيره وأمانيه وحساباته، فهو علماني في مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه، وفي قصة قارون خير دليل على ما نقول حيث قال: (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [1] .
ـ الهدف من التفكر هو الشعور بوجود الخالق وليس اليقين النظري بوجود الخالق:
ـ قال تعالى: (( فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) [2] ، (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ) [3] .
ـ يظن البعض أن وظيفة التفكر هي إيجاد الاقتناع النظري بوجود الله وصفات الربوبية وذلك موجود عند جميع الناس، لذلك لا يرى أنه يحتاج إلى التفكر، ولكن التفكر مع استحضار القلب يؤدي إلى الشعور بوجود الخالق وقدرته وعلمه وهذا هو الاقتناع الحقيقي بجود الخالق وقدرته وعلمه.
ـ ولقد نشأ الأنبياء على التفكر لمعرفة الله، فلقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصعد إلى غار حراء ليتفكر وجاءه الوحي في نفس المكان الذي كان يتفكر فيه، ففي الحديث: (( ... وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ) ) [4] .
ـ وبالمثل نشأ سيدنا إبراهيم: (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) ) [5] .
ـ فالإنسان يكفيه أن يشعر بالإعجاز في آية واحدة من آيات الله المنظورة وعندئذ تتغير مشاعره وهمومه وتفكيره وتتغير حياته كلها ولن يحتاج أكثر من آية واحدة سواء في السماء أو في الأرض أو في نفسه أو في أحوال الدنيا ومصائر السابقين أو أي شيء.
ـ فالإنسان قد يفكر في أمور الدنيا والحياة وتفاصيل الأشياء دون التفكير في أصول الأشياء وحقائق الأمور كحقيقة الدنيا وحقيقة الموت، رغم أن فطرة الإنسان تدعوه لمعرفة لغز الموت والحياة ومعرفة أسرار الكون من حوله، وحقيقة نفسه وقضيته التي يعيش من أجلها، فمثلا هو يعرف أنه سيموت لكنه لا يتدبر حقيقة ما يعني أنه سيموت، ويعرف ضآلة الدنيا، لكنه لا يتدبر حقيقة ما تعنيه هذه الدنيا وحقيقة ما بها من زخرف وشهوات، وتكون له طموحات ولا يتدبر حقيقة ومصير هذه الطموحات، ويعمل ولا يتدبر حقيقة ما يعمله، ويعرف أن هناك كون ونجوم ولكن لا يتدبر ما تعنيه وما حقيقتها، ويسمع ويعرف أن هناك آخرة وجنة ونار، ولكن لا يتدبر حقيقة ذلك، ولا يتدبر حقيقة ما يعني أن لهذا الكون ربا والاها، وإذا تدبر كل هذا فهو تدبر بغير حضور قلب وشعور بقيمة ما يتدبره، لذلك فالقرآن يركز تماما على قضية إعمال السمع والبصر والتفكر والتدبر والاتعاظ والعبرة.
ـ فمن الناس مَنْ فكر في كل شيء في الدنيا والدين وأجاد في كل أمور الدنيا والدين، وتمتع بعقلية وذكاء خارق، ولديه خبرات هائلة وعلوم هائلة في الدين والدنيا، لكنه لم يتفكر في أمور بديهية جدا والتي تمثل أصل وجوده ودينه، لم يتفكر فيما وراء الأشياء، فالسماوات والأرض أمر يجعلك تتحير من مدى قدرة الخالق، وكون أننا نعيش على كرة معلقة بنا في الفضاء أمر غاية في العجب، ورغم ذلك فكل هذا لا يؤثر ولا ينفع فيمن لا يشعر بخطورة هذه الأمور، فهناك من عاش حياته دون أن يسأل نفسه عن سر وجوده وسر وجود الكون من حوله فيشعر في داخله بخطورة هذا الأمر فهذا هو الغافل الذي لا يفقه.
(1) القصص: من الآية 78
(2) الأعراف: 69
(3) قّ: 37
(4) التخريج: متفق عليه (مشكاة المصابيح برقم: 5841)
(5) الأنعام: 75 - 80