فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 249

، أو تقول:"في نعمة والحمد لله"مهما كان حالك، ولكن يجب أن تقول ذلك بلسان مشاعرك أيضا، وهذا هو مفهوم الرضا القلبي.

ـ الشعور بعدم ملكية النعم (الشعور بالخضوع) :

ـ إذا سلبت النعم من الإنسان فأصبح بغير عين ولا أنف ولا مال ولا سلطان فعندئذ يشعر بالضعف والعجز والنقص والخضوع، وإذا لم تسلب هذه النعم من الإنسان فينبغي أن يشعر بنفس هذه المشاعر (أي بالضعف والعجز والنقص والخضوع) لأنها ليست ملكا له، فحقيقته أنه معدوم مسلوب النعم لا يملك شيئا، وينبغي عليه أن يشعر بالانهزام والاستسلام والتذلل لمن يعطي هذه النعم له، وينبغي أن يشعر أن الذي يعطيه هذه النعم قوي متكبر ومتعالي بما يمتلك من هذه النعم التي يعطيها لهذا الفقير المحتاج المسكين الذليل، كما ينبغي أن يشعر بالحب لمن يمن عليه ويتكرم عليه ويتفضل عليه بهذا الإحسان بغير أن يكون مستحقا لهذا العطاء، كما ينبغي أن يشعر أنه لا يستطيع هو بنفسه مهما سعى وعمل أن يحصل على هذه النعم ويجلبها لنفسه فيشعر بالتوكل والاعتماد على من يعطيها له.

ـ فإذا لم يشعر الإنسان بهذه المشاعر تجاه الخالق، فهذا معناه أنه يشعر بأنه مالك لهذه النعم وأنه حصل عليها بكده وتعبه، أو أنها موجودة من تلقاء نفسها أو تجاهل الشعور بقيمة ملكيتها لله تعالى، أي أن الإنسان يقول عندئذ بمشاعره أن الله ليس هو الرزاق الكريم المنعم الوهاب، وإنما هذه النعم ملكا للإنسان.

ـ ولا يمكن أن يتحقق الشعور بضعف الإنسان وخضوعه وتوكله وحبه لله بغير أن يتحقق الشعور بأن الله هو المالك للنعم وكل شيء.

ـ الشعور بقدر صفات الإنعام يؤدي إلى حب الله تعالى:

ـ تصور لو أنك ذهبت إلى مكان ما وقيل لك أن مصاريف الإقامة والطعام والشراب والملبس علي حساب فلان، تصور فعلا أن إقامتك في هذه الدنيا مدفوعة الحساب (فأنت لا تملك أن تدفع حساب شربة ماء واحدة) إذا لماذا لا تحب الله؟ ولماذا تتوكل علي غير الله كأن تعتمد علي نفسك؟، ولماذا يكون كل همك في إحضار الرزق؟.

ـ استشعار الملكية لله يؤدي إلى الشعور بقدر صفات الإنعام، فأنت إذا أكلت أكلة أو شربت شربة فإنك تستشعر أن هذه الأكلة أو هذه الشربة هي ملك لله ليس لك فيها حق، ولم تستطع أن تأكل اللقمة أو تشرب الشربة إلا بعد أن أذن الله لك بذلك، وكذلك تستشعر أن السكن الذي تسكن فيه ليس خاص بك وملكا لك وإنما هو ملك لله ومحض تكرم من الله عليك، بل إن يدك وجسمك ليس ملكا لك وإنما هو ملك لله تعالى وكونه معك فهو محض تكرم من الله عليك (راجع الشعور بأن الله هو المالك) .

ـ ومن نعم الله رعاية الله لك ورحمته بك، وأنه يسترك وأنت تعصيه رغم أنه يستطيع أن ينتقم منك وينسفك نسفا إذا عصيته، فإذا به يغفر لك ذنبك إذا تبت واستغفرت، ويتودد إليك ويرشدك إلى طريق السعادة، وييسر لك: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ) [1] ، (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) ) [2] ، ومن نعم الله أن القرآن مليء بضرب الأمثال والإيضاحات التي تذلل لك العقبات وتوضح لك الطريق، بل إن الله أخبرك بما يكون في المستقبل من أمر الآخرة حتى تكون على بصيرة، كما أرسل رسولا من البشر ليكون نموذج إرشادي تطبيقي عملي يواجه نفس ما يواجهه البشر، كما أن الله يعطي للبشر حقا عليه أن يدخلهم جنات بها نعيم بلا حدود إذا لم يشركوا به ويعطيهم لذة الإيمان في الدنيا التي هي أعظم من كل لذات الدنيا، رغم أنه ليس لبشر حق على الخالق إلا أنه حق أخذه الله على نفسه، كما يبارك لهم في أرزاقهم ويجيب دعاءهم، كما أنه يجيب دعوة المضطرين ويفرج الكربات، ويعطي الناس من كل ما سألوه: (( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) [3] ، فكل هذا رحمة من الله تعالى ويجعلك تحب الله تعالى.

(1) البقرة: من الآية 185

(2) النساء: 27

(3) إبراهيم:34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت