فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 249

ـ (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) [1] ، (( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) ) [2] ، (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) ) [3] ، (( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) ) [4] ، (( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) [5] .

ـ وسبق أن أوضحنا خمسين دليلا تبين صور النسيان والغفلة والبعد عن الله والآخرة، وأيضا الأدلة على أن عدم تأثر المشاعر بالله والآخرة هو نسيان لله والآخرة (راجع الفصل الثالث) .

ـ فلا يتحقق اليقين الحقيقي بالآخرة حتى تكون الآخرة حقيقة واقعة في ذهن المؤمن يشعر بخطورتها وبالتالي تؤثر على مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه لأنها الخطر المترقب والحياة المنتظرة.

ـ تصور لو أن رجلا عاد من الآخرة إلى الناس ماذا يمكن أن يقول لهم؟، إنه سوف يقول للناس: ليس أمامكم إلا ثواني معدودة والعد التنازلي مستمر، فأنتم مقبلون على خطر هائل جدا من أشد ما يمكن ويوشك أن تلحقوا بالآخرة فأدركوا أنفسكم، لكنه سوف يجد الناس هادئين تماما ويعتبرون أن هذه الحياة التي يعيشونها سنوات طويلة وعمر مديد وليست ثواني معدودة، ويعتبرون الذهاب إلى الآخرة مثلما يتسلى الإنسان بلعبة مملة قد مل منها، إنه سوف يجد الناس يعيشون في هروب وتجاهل للموت وهروب وتجاهل للآخرة وهروب وتجاهل وتغافل عن الله، رغم أن هذا الهروب وهذا التجاهل والتغافل لن يغير من حقائق الأمور شيء فالخطر قائم وهم مقبلون عليه رضوا أم لم يرضوا والأمر خطير وعظيم: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) ) [6] ، فهم يعيشون في غيبوبة مثل السُّكْرْان الذي لا يدري ما الذي ينتظره، وإذا كان هناك أحد عنده شيء من الشعور بقدر الآخرة فتكون درجة شعوره ودرجة إفاقته لا تتناسب أبدا مع خطورة الحدث، فينظر إلى الآخرة بفتور شديد ومشاعر باردة، رغم أن الآخرة هي الحقيقة الكبرى المرعبة: (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [7] ، وقد سبقنا إليها الكثير والدور علينا.

ـ إن الآخرة فوق مستوى الخيال وأشد رعبا من كابوس مرعب وأشد رعبا من رؤية أشباح وأعجب من السحر، لكن الآخرة في مشاعر البعض هي عالم عادي جدا لا خطورة منه ولا مشكلة فيه مثل حواديت، فمثل هؤلاء يفاجئون بعد الموت بعالم حقيقي أخطر وأعجب وأغرب من هذه الأشياء، فيرون الملائكة ويفاجئون بالحساب والجنة والنار: (( وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ )) [8] .

ـ عندما يرى الإنسان كابوس مرعب فإنه قد لا ينام عدة أيام فإنه كلما نام رأى الكابوس، ويكون في حياته قلقا متوترا خائفا منزعجا وصورة الكابوس لا تفارق عينه ولا يستطيع أن ينساها، فالآخرة أشد في خطورتها من أي كابوس لأن فيها أهوال أشد من أي كابوس، فضلا عن أنها حقيقة وليست كابوسا، فالذي يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا لا تفارق صورة الآخرة ذهنه: (( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ )) [9] .

ـ من الناس مَنْ ليس عنده أي هم بالآخرة رغم ما بها من أهوال وأنها المصير لدرجة أنك قد تجد المرء يستغرب ولماذا الهم بالآخرة؟!، وكأنه لا يوجد أي شيء يدعو للهم بالآخرة!، فهو في غفلة تامة عن الآخرة فلا يوجد أي تأثر بالآخرة سواء سلبا أو إيجابا فلا يخاف الآخرة ولا يكرهها ولا يحبها لأنه لا يشعر بها أصلا وكذلك كل الغيبيات، وهذا هو نسيان الله والآخرة، فإن الشيء الذي تهتم به فإنه يشغل همك ولا تنساه، فمعني عدم انشغال الهم بالآخرة عدم الاهتمام بشأنها كأنها أمرا غير مهم، إذن فنسيان الآخرة ليس نسيان وجودها ولكن نسيان ما تعنيه من الأهمية

(1) الروم: 7

(2) مريم: 39

(3) الأنبياء: 1

(4) الأنبياء: 97

(5) ق: 22

(6) صّ: 67، 68

(7) الحج: 2

(8) يس: 51، 52

(9) التكاثر: 5، 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت