فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 249

والخطورة فلا تشغل البال، وكذلك نسيان الله لا يعني نسيان وجوده فالكفار يعلمون وجوده، ولكن يعني عدم شغل الهم بعظمته وقدره وقدرته، فلا ينشغل البال أو المشاعر بأمر الله والدين، (( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) ) [1] ، (( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [2] .

ـ الدنيا هادئة تماما ومعزولة عن خطر الآخرة الهائل:

ـ رغم أن الدنيا عبارة عن طريق قصير يوصل إلى الآخرة، فكل الناس مقبلون على هذا الخطر الهائل، ورغم ذلك أراد الله أن تكون الدنيا معزولة تماما عن الآخرة وحجب عنا رؤية الآخرة، والإنسان له أن يعمل ما شاء في الدنيا ولا يحاسبه أحد، فالحساب في الآخرة، فالدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل.

ـ فالعاقل هو الذي لا ينخدع بهدوء الدنيا كأنه لا خطر يتعرض له أو يوشك أن يلحق به، ويسارع بالفرار قبل الكارثة والطامة الكبرى.

ـ الدنيا لها ظاهر وباطن والآخرة كذلك، والظاهر عكس الباطن تماما، فظاهر الآخرة أننا لا نراها، وظاهر الدنيا زينة هائلة توحي بأن الدنيا عظيمة في متعها وآلامها، والعاقل هو الذي لا ينخدع بالظاهر ويفكر في الباطن ليعرف حقيقة الشيء.

ـ فمثلا لو كان في يدك ظرف فارغ لا شيء فيه ومكتوب عليه مليون جنيه، فالذي ينظر إلى المكتوب على ظاهر الظرف ولا ينظر إلى حقيقة ما بداخله فهو أحمق لا عقل له، فالمكتوب على الظرف هو زينة الدنيا، وما بداخل الظرف هو حقيقة الدنيا، والعكس لو كان في يدك ظرف مكتوب عليه صفر ولكن بداخله مليون جنيه فالعاقل هو الذي ينظر إلى داخل هذا الظرف ليعرف حقيقته، فالدنيا والآخرة كاذبتان تقولان عكس ما بداخليهما تماما.

ـ الآخرة خطر هائل لا تراه، فمن كان تفكيره في ظاهر الأمر فهو لا يرى شيئا ولا يفكر في حقيقتها ليشعر بخطرها الهائل جدا، فهي في نظره لا قيمة لها كأنها لعب ولهو، وهو لا عقل له، وعلى العكس فالدنيا أنت تراها بعينك وهي مزينة بزينة خادعة جدا تجعل الإنسان يظن أن متعها عظيمة جدا وألمها عظيم جدا، فمن كان تفكيره في ظاهر الأمر فهو ينخدع بزينتها ولا يفكر في حقيقتها ليشعر بأنها لعب ولهو، وهو لا عقل له.

ـ أراد الخالق سبحانه أن نعرف الآخرة بطريقة غير مباشرة، فنحن لا نرى الجنة والنار رغم أنهما موجودتان الآن في الدنيا، ولا يستطيع الإنسان مهما أوتي من مركبات الفضاء أن يصل إلى الجنة أو النار ليراهما، ولكن الله سبحانه مكن الرسول صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى الجنة ورؤية ما فيها وهو لا يزال في الدنيا، فأراد الله أن نعرف الجنة والنار والآخرة بطريقة غير مباشرة من خلال آيات الكون ودعوة الرسل، والعاقل يؤمن بالآخرة طالما أن الأدلة موجودة في آيات الكون ودعوة الرسل.

ـ فرغم علم الإنسان بأن الدنيا إلى زوال وأنها لا قيمة لها وأن الآخرة هي الخطر الكبير والحياة الأبدية فإنه يبعد نظره عن حقيقة الدنيا ويوجه نظره إلى ظاهرها متناسيا حقيقتها، وكذلك يبعد نظره عن حقيقة الآخرة وخطورتها ويوجه نظره إلى ظاهرها من حيث أننا لا نراها وأنها غير قائمة الآن متناسيا حقيقتها وخطورتها.

ـ فالذي يبحث عن الدنيا وشهواتها هو يبحث عن السراب والوهم، لأن الدنيا وزينتها عبارة عن غلاف يلمع مثل الذهب وبداخله هواء، فالإنسان الذي لا عقل له ينظر إلى ظاهر هذا الغلاف فينخدع به والعاقل هو الذي يعقل حقيقة ما بداخله.

ـ فالإنسان يعيش وحوله النار والجنة فهو يعيش في رعب وقلق واضطراب، ولكن يحيط به جدار رقيق جدا يعزله عن الجنة والنار، ويعزله عن أهوال القيامة التي ستحدث بعد ثواني، فيجعله ذلك الجدار في هدوء تام فهو لا يرى الجنة ولا النار ولا أي ضجيج أو شيء يدعو للإزعاج، ففي ذلك خدعة كبيرة جدا لمن لا عقل له فهو لا يرى شيء إلا الدنيا، أما

(1) التوبة: من الآية 67

(2) السجدة: 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت