فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 249

العاقل فهو ينظر إلى ما وراء هذا الجدار حيث الجنة والنار الموجودتان الآن، وينظر إلى القنبلة الموضوعة تحت قدميه والتي سوف تنفجر بعد ثواني لتنقله إلى أهوال القيامة فورا، فهو يعيش في حالة عد تنازلي وترقب لانفجار هذه القنبلة (الموت) .

ـ فقط الذي يفصل بين الإنسان والآخرة صيحة واحدة مفاجأة: (( إِنْ كَانَتْ إلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) ) [1] ، فهي لحظة مباغتة فورا: (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ) ) [2] ، (( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أو هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [3] .

ـ فيفتح الإنسان عينيه فلا يجد بيته الذي كان يسكن فيه وعمله الذي كان يعمل فيه وأهله وأصدقاءه الذي ألف المعيشة معهم، فجأة يفتح عينه ليجد كل شيء قد تغير في لحظة: (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ )) [4] .

ـ أراد الله أن تظهر الأمور على عكس حقيقتها تماما، والحكمة من ذلك هو اختبار الإنسان، فالاختبار هو إما أن ينخدع الإنسان بظاهر الأمر أو يعمل عقله فيكتشف حقيقة الأمر، فمثلا الإنسان أمامه صورتين من الشهوات هما شهوات الدنيا وشهوات الجنة، شهوات الدنيا هي في حقيقتها ضئيلة جدا ووقتية وتفنى سريعا ولكنها خادعة جدا تبدو كأنها المتع واللذات الهائلة والتي لا تفنى فلا يستطيع أن يقاومها الإنسان أبدا إلا إذا أعمل عقله فعقل حقيقتها فلم ينخدع بها، وشهوات الجنة لا يراها الإنسان فتبدو كأنها وهم وسراب لمن لا عقل له، أما إذا أعمل الإنسان عقله فتصور حقيقتها وتصور مدى تحقق أدلتها وتصور مدى ما فيها من النعيم الهائل الخالد فلم ينخدع بعدم رؤيتها فهو الذي ينجح في الاختبار، ومن الاختبار أن يجعل الله الشيطان يوسوس للإنسان ليزين له شهوات الدنيا على أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى: (( فَوَسْوَسَ إليه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) ) [5] .

ـ وكذلك الإنسان أمامه صورتين من الآلام هما آلام الدنيا وآلام النار وأهوال القيامة، آلام الدنيا هي في حقيقتها ضئيلة جدا ووقتية وتفنى سريعا ولكنها خادعة جدا تبدو كأنها الآلام الهائلة والتي لا تفنى فلا يستطيع أن يتحملها الإنسان أبدا إلا إذا أعمل عقله فعقل حقيقتها فلم ينخدع بها، فهو مطالب بتبعات كثيرة جدا من مشاغل الحياة اليومية وأعباءها ورفع الظلم عن نفسه وعن غيره والفقر والمرض وقلة المئونة والعمل للكسب وغير ذلك، وإذا قصر في أمور الدنيا يعاقب عقابا شديدا، بينما النار لا يراها الإنسان فتبدو كأنها وهم وسراب لمن لا عقل له، أما إذا أعمل الإنسان عقله فتصور حقيقتها وتصور مدى تحقق أدلتها وتصور مدى ما فيها من العذاب الهائل الخالد فلم ينخدع بعدم رؤيتها فهو الذي ينجح في الاختبار.

ـ اليقين الحقيقي بالآخرة يؤدي إلى الخضوع لله تعالى وخوف المهابة من الله وحبه وخوف عقابه ورجاء ثوابه:

ـ الآخرة هي ثواب الله وعقابه الهائل فمن أيقن بها يقينا حقيقيا خضع لقدرة الله الهائلة، وخاف من مهابة قدرته المتمثلة في الجنة والنار وأحب الله إعجابا بمدى قدرته المذهلة، والإنسان الذي لا يريد الخضوع يتناسى الآخرة حتى لا يخضع، ومهما جاءته الأدلة على الآخرة فسوف يتجاهلها ويتناساها ويعطل عقله فلا يعقلها، لدرجة أنه لو ذهب إلى الآخرة ورآها بعينه ثم عاد إلى الدنيا فسوف يتناسى الآخرة ويتناسى ما رآه بعينه: (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) ) [6] ، ولا يفعل ذلك إلا من لا عقل له، فهؤلاء مصيرهم النار لأنهم عطلوا عقولهم فلا يعقلون: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [7] .

ـ فهو يعطل عقله عن التفكير في حقيقة اليقين بالآخرة ويتناساها.

(1) يس: 53

(2) الأنعام: 31

(3) النحل: 77

(4) يس: 51 - 52

(5) طه: 120

(6) الأنعام: 28

(7) الملك: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت