عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ )) [1] ، إن شهوات الدنيا كما أنها ضئيلة فليست سهلة المنال أيضا ولابد من السعي والتعب، فالحصول على الدنيا ليس أمرا سهلا، فإن المتنافسين على الدنيا كثير وطلاب الدنيا كثير، وهم يتقاتلون ويتشاحنون عليها، ويتشبثون بها بأيديهم وأسنانهم، ومن يأتي بينهم ليتنافس على الدنيا لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة فيأكلوه، ورغم أن متاع الدنيا قليل لكن الشيطان يزين للإنسان كل ما هو حرام لكي يجره إلى أن يقع فيه فيصور له أن في ذلك نفع عظيم له أو متعة عظيمة له كما فعل مع آدم عليه السلام: (( فَوَسْوَسَ إليه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [2] ، ومهما فعل الإنسان فالدنيا دار شقاء: (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ) ) [3] ، أما شهوات وطعام وفواكه الجنة (( لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) ) [4] ، وفي الحديث: (( قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت قال إني رأيت الجنة أو أريت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) ) [5] .
ـ فلا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة المال وقيمة الشهوات الدنيوية وقيمة الطعام والشراب الدنيوي في نظر الإنسان، وحتى تكون شهوات الجنة لها قيمة حقيقية في النفوس وقدر وأهمية، بمعنى أن تكون قيمة شهوات الجنة وما فيها من نعيم دائم أعظم بكثير من قيمة ما في الدنيا من شهوات فانية، فيؤدي ذلك إلى أن يكون تعلق المشاعر بالله والآخرة أكبر، فهو بذلك يرى الآخرة أفضل وأدوم: (( وَلَلْآخِرَةُ أكبر دَرَجَاتٍ وَأكبر تَفْضِيلًا ) ) [6] ، (( وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [7] .
ـ لا يتحقق الشعور بقدر عظم السعادة في الجنة وعظم الألم في النار إلا إذا تحقق الشعور بقدر ضآلة متع الدنيا وضآلة آلام الدنيا، أي ضآلة حجم شهوة المال وضآلة حجم شهوة النساء وضآلة حجم شهوة الطعام والشراب وضآلة حجم شهوة الزعامة والمناصب والمظاهر وهكذا، وكذلك ضآلة حجم أي آلام أو متاعب أو مشاكل أو ضيق في الدنيا، إذن الشعور بقدر خطورة الآخرة لا يتحقق إلا إذا تحقق الشعور بقدر ضآلة الدنيا وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أو بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [8] ، وبالتالي من عرف حقيقة الدنيا فقد عرف حقيقة الآخرة، ومن عرف حقيقة نفسه فقد عرف الله، أي من عرف ضآلة نفسه عرف عظمة ربه، ومن عرف ضآلة الدنيا عرف خطورة الآخرة، وطالما أن الإنسان لا يزال مغرورا بألوان السعادة في الدنيا ويظن فيها سعادة كبيرة وتنشغل بها أكبر همومه ومشاعره فهو لا يزال لا يوقن يقينا حقيقيا بالآخرة وبعظمة الله وخطورة أن الله مطلع عليه.
ـ الإنسان يحب متع النساء والخمور والقصور ويعيش لذلك، فمن الناس من يرى أن هذه المتع في الدنيا فيعيش لها، فهو الكافر أو المنافق، أما المؤمن فيرى أن هذه المتع في الجنة فيعيش لها وقلبه يشتاق إلى نساء الحور العين وجمالهن وحلاوة جماعهن ولذة الخمور وفخامة القصور.
ـ وهنا ينكشف اليقين الحقيقي بالجنة، فالذي لا يشعر بأي قدر من حب الجنة والشوق لها والتعجب (خوف المهابة) من مدى ما فيها من ألوان النعيم هو في حقيقته يقول بمشاعره أن الجنة أساطير الأولين وحواديت الشاطر حسن!، رغم اليقين النظري التام بالجنة، فالحور العين بالنسبة له كأنهن نساء خيالية وليست نساء حقيقية فيها لذة أمتع من كل نساء العالم!، فلو كان موقنا بهن حقا لعاش من أجل الوصول إليهن وزهد في نساء الطين!.
ـ الشعور بمعنى الخلود في الجنة:
ـ إنها السعادة الأبدية في متعة ولذة بلا حدود وإلى الأبد ومع الجميلات الفاتنات الساحرات من الحور العين ليس مائة سنة ولا ألف ولا مليون ولا مليار سنة، إنها حياة بلا نهاية، قارن هذا أمام السنوات الحقيرة المعدودة في الدنيا، فلا وجه للمقارنة أصلا، فإنك في الجنة سوف تبقي شباب للأبد بلا مرض ولا ضعف ولا موت مع كل ألوان المتع.
(1) الواقعة: 19
(2) طه: 120
(3) البلد: 4
(4) الواقعة: 33
(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 146، برقم: 1493)
(6) الإسراء: من الآية 21
(7) الأعلى: 17
(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)