ـ ولو استجاب الله لطلبهم لما آمنوا أيضا لأن القضية أنهم لا يريدون الخضوع وأي شيء يأمرهم بالخضوع يهربون منه ويتناسونه ويدعون الحجج الواهية، ففي تفسير البحر المديد: (( {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} يقول الحق جلّ جلاله: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ يا محمد كِتابًا مكتوبًا فِي قِرْطاسٍ أي: رَقٍّ، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم بعد ذلك: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتًا وعنادًا، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يُتَجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ، ثم اقترحوا معجزة أخرى، وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يكلمنا أنه نبي، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أو شهيدًا له بالرسالة )) [1] .
ـ التعامل الصحيح مع القرآن:
ـ إذا كنت لا ترى الخالق بعينك فأنت تسمع قوله بأذنيك عن طريق غير مباشر (القرآن) ، فعندما تقرأ القرآن فأنت تسمع كلاما للخالق يصل إليك من فوق سبع سماوات، وهذا أمر رهيب لمن يعقل، وكذلك الذي يعقل الكلام يجده أنه ليس كلاما بشريا لما فيه من البلاغة والإعجاز، فذلك أمر عجيب مدهش مبهر لمن يعقل: (( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) ) [2] ، (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ) ) [3] ، (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ) [4] ، لكن التعود على القرآن من غير نظر لما فيه من الإبهار والعظمة هو من نقص العقل.
ـ الأدلة على غياب اليقين الحقيقي بالقرآن بعدم تعقله كالتالي:
ـ عدم تعقل كلام الله معناه عدم تصور أنه كلام من الخالق يراه أمام عينه، ويقرأه بلغته واضحا بينا، فهو أمر ملموس بين يديه، وعدم الشعور بخطورة أن يصل إليه كلام من الخالق، وعدم انشغال البال بهذا الأمر الخطير، وبالتالي عدم المبالاة به:
ـ (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ) ) [5] ، (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [6] ، (( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) ) [7] ، وقال الكفار لشعيب: (( مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ) ) [8] مع أن شعيبًا خطيب الأنبياء، (( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) ) [9] .
ـ فهم يسمعون القرآن أو يقرأونه ويفهمون معاني كلماته لكن لا يعقلونه (غياب التصور والشعور بالقيمة وعدم شغل البال بالأمر) ، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وفي الصحيحين ... { ... ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرٌّ ... } [10] . فهذا قارئ القرآن يسمعه الناس وينتفعون به وهو منافق، وقد يكون مع ذلك عالمًا بتفسيره وإعرابه وأسباب نزوله، إذ لا فرق بين حفظه لحروفه وحفظه لمعانيه، لكن فهم المعنى أقرب إلى أن ينتفع الرجل به، فيؤمن به ويحبه ويعمل به، ولكن قد يكون في القلب موانع من اتباع الأهواء والحسد والحرص والاستكبار، التي تَصُدُّ القلب عن اتباع الحق، قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [11] ، فهؤلاء لا خير فيهم يقبلون الحق به إذا فهموا القرآن، فهو سبحانه لا يُفهِمهم إياه، ولو علم فيهم خيرًا لأفهمهم إياه، ولمّا لم يكن فيهم خير فلو أفهمهم إياه لتولّوا وهم
(1) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (2/ 99)
(2) الجن: 1
(3) الزمر: من الآية 23
(4) الأنفال: من الآية 2
(5) الأنعام: 25
(6) محمد: 16
(7) الكهف: 101
(8) هود: 91
(9) الجمعة: 5
(10) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5840 في صحيح الجامع)
(11) الأنفال: 22، 23