ـ فالإنسان يتعامل مع النعم على أنه هو الذي أوجدها لنفسه وأنها ملكا له وبالتالي يستكبر عن الخضوع لمالك النعم رغم يقينه النظري التام بأنها نعم من الله وأن الله هو الذي أوجدها وهي ملك له رغم وجودها مع الإنسان وتسخيرها طوع أمر الإنسان، أي رغم اليقين النظري التام بأن الله هو الرزاق وهو المالك لكل شيء.
ـ ففي هذا الفصل نبين سبب رفض الخضوع وهو التعامل الخاطئ مع النعم.
ـ فبدلا من أن تكون النعم سببا لمعرفة الله والخضوع له يجعلها الإنسان سببا لرفض الخضوع لله تعالى.
ـ التعامل الخاطئ مع النعم:
ـ التعامل مع النعم يشمل ثلاثة أمور هي: عمل العقل وعمل المشاعر وعمل الجوارح.
ـ أولا عمل العقل:
1ـ التصور: (ادعاء القوة ـ الاستكبار ـ رفض الخضوع)
ـ بدلا من أن تكون النعم آيات تدل على الخالق وعلى كرمه وإنعامه يدعي الإنسان أنه مالكها ويستكبر بها عن الخضوع لله تعالى
ـ القوي لا يخضع، والإنسان يدعى امتلاك صفات القوة، وصفات القوة عند الإنسان ليست ملكا له وإنما هي ملك لله وهي نعم من الله على الإنسان، ولكن الإنسان لا يريد أن يتنازل عن صفات القوة لأنه لا يريد أن يخضع لله.
ـ الإنسان لا يريد أن يعيش معيشة العبيد:
ـ الإله هو الذي يمتلك صفات العظمة والقوة، ومن يمتلك صفات النقص والضعف فليس بإله، ومن ليس بإله فعليه أن يخضع ويسجد للإله، لأن الضعيف عليه أن يسجد للقوي، والقوى بحق له أن يستكبر على الضعيف، وإذا رفض أن يشعر باستسلامه فهذا هو كفر الإباء والاستكبار القلبي.
ـ الإنسان يجعل من نفسه إلها ويستكبر أن يخضع، والاستكبار معناه أن الإنسان يرى نفسه كبيرا وعظيما ويرى ما عنده من شهوات ودنيا كبيرة وعظيمة فيرفض الخضوع لله، ومعنى أنه يرى نفسه عظيما أي يجعل إلهه هواه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [1] .
ـ فلا يتحقق اليقين الحقيقي بأن الإنسان عبد لله حتى يزول غرور الإنسان بأنه يمتلك النعم كالعين والعقل والقدرة والحركة والإرادة والمال والشهوات، وطالما أنه لا يزال الإنسان ينظر إلى نفسه على أنه حر مستقل بنفسه ليس ذليلا لأحد ولا يعيش تحت سيطرة أحد وأنه يمتلك العقل والإرادة والمال والشهوات وأنه يعيش لنفسه وليس تابعا لأحد فهذا يدل على أن اليقين الحقيقي بأنه عبد لله لم يتحقق بعد.
ـ وطالما غفل الإنسان عن قدر المخلوق من الضآلة غفل عن قدر الخالق من العظمة، فلا يتنبه إلى مدى عظمته وقدرته، ويزين الشيطان للإنسان أن ينسى قدر الله كأنه ليس ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان للخالق مثل نظرته لأي أحد من البشر من حيث غياب الشعور بمدى قدره، فلا يشعر الإنسان بقدر الله كأن الله غير موجود أو موجود ولكن ذو قدر ضئيل، وبالتالي لا تتأثر مشاعره بالخالق.
ـ فالإنسان مخلوق كرمه الله وأعطاه من العقل والقدرة ما يصل به إلى التقدم العلمي والرفاهية، ولكن الإنسان قد يعتبر أن هذه المميزات هي من تلقاء ذاته ويقول بلسان المشاعر أن الجنس البشري هو الإله الذي يحكم الأرض، فكل شيء هو تحته يتحكم فيه وليس شيئا فوقه يحكمه.
(1) الفرقان: 43