فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 249

ـ ورغم أن الإنسان يعلم ضآلة نفسه وبالتالي عليه الخضوع فإنه يتجاهل ذلك ويصر على أنه ليس بضعيف وبالتالي لا يخضع، فيصر على أن ما عنده من شهوات ملكا له وليست نعمة من الله ويصر على أن هذه الشهوات عظيمة القيمة رغم أن الله جعلها ضئيلة حتى لا يفتتن بها الإنسان.

ـ فقد تكون مشاعر الإنسان مستكبرة تأبى الخضوع رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول أنه يخضع لله.

ـ فأنت يجب أن تعيش تبعا لمراد الخالق وليس تبعا لما تريده أنت لأنك عبد ولست حرا: (( أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) ) [1] ، فالإنسان يظن أن الله خلقه ثم تركه يفعل ما يشاء فيعيش تبعا لما يريده الإنسان لنفسه على أنه له شأنه وهو حر مسئول عن نفسه فيفعل ما يشاء لنفسه ولكنه عبد ليس له أن يفعل ما يريده هو لنفسه ولكن يفعل ما يريده سيده منه، فيعيش تبعا لمراد سيده، فالذي يعيش تبعا لنفسه هو يعبد هواه ومزاجه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [2] ، فإذا كان الإنسان يعيش وفقا لما يريده هو فهو يعبد نفسه وهواه وإذا كان يعيش وفقا لما يريده الله فهو يعبد الله، والإنسان يعلم في نفسه هل يعيش وفقا لأيهما ولكنه يتجاهل.

ـ الإنسان الذي يرفض أن يعيش وفقا لمراد غيره معناه أنه يرفض أن يكون عبدا لأحد، فهو يعيش وفقا لمراد نفسه، فهو في الحقيقة يجعل من نفسه إلها ويرفض أن يكون عبدا.

ـ فالإنسان إذا كان هو الذي صنع نفسه بنفسه فأوجد لنفسه عينه وأنفه وأذنيه وأوجد لنفسه ما يمتلك من نعم وأموال وأولاد فهي ملكا له وليس لأحد سلطة عليه أو عطاء أو صنع له شيئا، ففي هذه الحالة فالإنسان له أن يعيش وفق مراد نفسه وما يشتهيه وهذا حقه فهو حر يفعل ما يشاء، وهو عندئذ إله.

ـ ولكن الحاصل عكس ذلك فالإنسان هو نفسه عبارة عن مادة مصنوعة يمتلكها من صنعها، فالإنسان لا يملك شيئا ولا حتى نفسه فكل ما عنده من نعم وشهوات هو محض عطاء من الله فهو ليس إلا سلعة تباع وتشترى، ففي هذه الحالة يجب على الإنسان أن يعيش وفقا لمراد من صنعه ويمتلكه فيكون محبا لله لما أعطاه خاضعا لله لأنه لا يملك شيئا ولا حتى عقله فكل ذلك من صناعة الخالق.

ـ إن مفهوم الشعور بقدر كلمة"إله"معناه أن يعيش الإنسان حياته خاضعا له، أي تصبح وظيفته في الحياة ومهمته التي يكرس حياته من أجلها هي أن يعمل عند الله عبدا كما يعمل الخادم عند سيده فيعيش عمره كله على هذا، فهذا اختار أن يكون عبدا لله، أما غيره فاختار أن يعيش حرا كأنه لا أحدا يملكه ولا يتبع لأحد وكأنه هو الذي أوجد نفسه أو لا أحد أوجده، يقول الشيخ صالح بن فوزان: (( الخلْق كلهم عبادُ الله كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) } ، فكلُّ الخلق عباد الله المؤمن والكافر، ولكن العبودية على قسمين: عبوديّة عامّة: وهذه تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر كلُّهم عبادُ لله تعالى، بمعنى: أنهم مملوكون لله، مخلوقون لله، يتصرّف فيهم، ويدبِّرُ أمورهم، لا يخرُج عن هذا أحد من الخلق، النوع الثاني: عبوديّة خاصّة: وهي عبوديّة التألُّه والمحبّة، وهذه خاصّة بالمؤمنين: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} ، {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، فهذه عبوديّة خاصّة بالمؤمنين )) [3] .

ـ الشعور بقدر ضآلة الإنسان يؤدي إلى الشعور بالخضوع لله تعالى، وإذا لم يشعر الإنسان بضآلته فلن يشعر بالخضوع لله تعالى، فهو عندئذ عنده إباء واستكبار عن الخضوع لله تعالى، فالإنسان إما أن يعبد الله أو يستكبر فيعبد نفسه أي يجعل نفسه إلاها.

ـ وأصعب شيء على النفس هو التنازل عن كل الممتلكات والأهل والمال والشهوات وعن النفس والاعتراف بملكية هذه الأمور لصاحبها وهو الله فتصبح هذه الأمور بلا قيمة لأنها ليست ملكا للإنسان، فلا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم

(1) القيامة: 36

(2) الفرقان: 43

(3) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ـ مؤسسة الرسالة (ج: 2، ص: 201)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت