فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 249

ـ إن كلمة (المال) عند من لم يشعر بضآلته وفناءه أمام قيمة الآخرة تختلف عن كلمة (المال) عند من يشعر بذلك، فالأول ينظر إلي المال أنه ذو قيمة عظيمة وينظر إلى صاحب المال نظرة تعظيم وانبهار أما الثاني فينظر إليه على أنه مجرد عارية تسترد بعد قليل حين الموت.

ـ من الناس مَنْ يعيش حياته من أجل جلب الرزق كأن ذلك عبادته التي خلق لها: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) ) [1] ، (( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ) ) [2] ، ولاحظ أن الرزق مفهومه واسع فإن تحصيل الرزق يعني تحصيل أي أمر فيه راحة أو نفع للإنسان، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من كان يريد حرث الآخرة} الآية قال: (( يقول الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( يقول ربكم يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يدك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا وأملأ يدك شغلا ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ) ) [6] وفي حديث آخر: (( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ) ) [7] ، وفي حديث آخر: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) ) [8] .

2ـ الغرور بالنفس والتفاخر بالنعم:

ـ الخضوع معناه إلغاء الإرادة، والإنسان مغرور بإرادته يحسب أنها ذاتية فيه وملكا له، والخضوع معناه أيضا خضوع العقل فلا يسير الإنسان تبعا لما يراه هو وإنما تبعا لما يريده الله تعالى.

ـ قد يقول الإنسان بمشاعره: (أنا ربكم الأعلى) رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول لا إله إلا الله، وذلك عندما يشعر أنه الأعلى ـ أو يريد أن يكون الأعلى ـ فوق كل الناس في كل شيء وهم جميعا أذلاء تحت قدميه، فقلبه مليء بالحقد على الناس وكراهية الخير لهم والحسد على ما عندهم، فهو يريد التعاسة والشقاء والفقر والبلاء للناس، ويريد لنفسه كل الرفعة والعظمة والمكانة والغنى، وهو يتجاهل أن هناك إله فوقه، لذلك يرى أنه وحده الأعلى المتكبر على الناس الغني العظيم في مكانته ويريد أن يصل ليكون لنفسه كل صفات العظمة والقوة ولغيره كل صفات الضعف والفقر والذل حتى ولو لم يصل إلى ذلك فهو يشعر بذلك في نفسه أو يريده، فهو يقول بمشاعره: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ) [9] ، فهم يعتبرون أن غيرهم من الناس هم طبقة الرعاع السفلة المنحطين!.

ـ هنا يأخذ الإنسان دور الإله بدلا من أن يكون عابدا، فهو يصنع من نفسه إلاها، حيث يغفل الإنسان عن حقيقة نفسه فلا يتنبه إلى ضآلته، ويزين الشيطان للإنسان أنه ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان لنفسه أنه ذو شأن هام عظيم القدر وأن له إمكانيات وقدرات وسيطرة وعلم كبير، فيغتر بما عنده من عقل ذو قدرات هائلة، وأنه هو الذي صنع التقدم العلمي الهائل والتكنولوجيا المبهرة، وأنه يستطيع أن يصنع الأعاجيب، وأن ما عنده من مال أو صحة أو ممتلكات أو صحة جسدية أو جمال أو نعم فهي من صنع يده ونتيجة لكده وعلمه وخبرته، وأنه حر وله الحقوق والسيطرة وقدرات كبيرة، وأنه ليس بضعيف أو ناقص أو يحتاج لغيره فهو يعتمد على نفسه ولا يذل لأحد وليس لأحد عليه سلطان أو مذلة أو حق، ولا يدري أنه بذلك يتعالى على الله ويستكبر أن يخضع له: (( إنهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [10] ، فإنه يتناسى أو يتجاهل قدر عظمة الله، ويتناسى أو يتجاهل قدر ضآلة نفسه ومدى ضعفه:

(1) الذريات: 56، 57

(2) سبأ: 37

(3) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3166)

(4) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم 3165)

(5) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 7323 في صحيح الجامع)

(6) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 1630 في صحيح الجامع)

(7) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم 5240)

(8) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2085 في صحيح الجامع)

(9) آل عمران: من الآية 75

(10) الصافات: 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت