فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 249

ـ فمن الناس من يكون عندهم كل ما ينبني عليه عتاب من الآخرين أو خسارة اجتماعية أو عقاب من القانون فهو محل اعتبار واهتمام بدرجة أن أكبر مشاعرهم مرتبطة بذلك، وكل التصرفات والحسابات مبنية على ذلك.

ـ ومن الناس مَنْ أعماله مبنية علي أساس اعتبارات الناس وفي الحديث: (( من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس ) ) [1] ، فهذا ينشأ من أن مشاعره متوجهة للناس ولو شعر أن نظر الناس ليس فيه نفع أو ضر لما اهتم بنظر الناس، وإنك لتجده يعيش حياته بناءا علي عادات الناس وتقاليدهم يقيس علي ذلك ما هو صواب وما هو خطأ وما يفرح به وما يحزن عليه (والناس يفرحون ويحزنون علي أمور دنيوية من اختراعاتهم) ، ولا يمكن لإنسان يشعر بخطورة الآخرة والغيبيات إلا أن يجعل الآخرة والغيبيات هي الأساس والمقياس الذي يبني عليه حياته وأعماله، أما الذي جعل أساس حياته اعتبارات الناس فهو قد آثر عادات الناس وتقاليدهم، فبدلا من أن يعيش أسيرا منقادا لله، فهو اختار أن يعيش أسيرا منقادا لحسابات واعتبارات العادات والتقاليد وكلام الناس والوطن والجنسية والتعصب للعائلة أو الجنس أو الوضع الاجتماعي المعين أو المستوي المعيشي أو البيئة المحيطة أو التعود والألفة علي ما كان عليه الآباء والأصحاب، أو يعيش أسيرا لهواه، أو أسيرا لإطار معين: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شيئا وَلا يَهْتَدُونَ ) ) [2] .

5ـ ارتباط عمل العقل والمشاعر بتمني المال وتمني لذة ملئ البطن وإخراج المني وتمني التفاخر بالمال:

ـ قد لا يقع الإنسان في الشهوات، لكنه يعيش حياته متمنيا لها قريبا منها يدور حولها وإن لم يقع فيها، فهو ينشغل باله بالشهوات ويسمع عنها ويتكلم بها، ويجد سعادته في الإغراء بها وتمنيها، فإذا كان تعظيمه لهذه الأماني أكبر من تعظيمه لله، وإذا كانت مشاعره متعلقة بهذه الأماني أكبر من تعلقها بالله فهو يعبد الأماني.

ـ إذا كان أكبر ما يتمناه الإنسان وأكبر ما يحلم به وأكبر ما يرجوه وأكبر ما يطمح إليه سواء على سبيل التمني في خيال الإنسان كأن يتمنى الإنسان أن يعثر على كنز مثلا، أو على سبيل الأمل في الوصول لشيء من الممكن تحقيقه، فإذا كان أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو المال وأن يكون غنيا أو المظاهر أو الشهوات أو أي شيء من أمور الدنيا وشهواتها فهو يعيش من أجل الدنيا وإن كان يكذب على نفسه ويظن أنه يعيش لله، أما المؤمن فإن أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو الوصول إلى الجنة، ولا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة الدنيا من القلب وبالتالي حتى يكون أكبر ما يحلم به الإنسان ويتمناه هو الجنة ورضا الله وليس العثور على كنز أو الوصول إلى ألوان الثراء الدنيوي والمناصب العليا وكامل التمتع بشهوات الدنيا.

ـ بعض الناس يظل يصور لنفسه أن شهوة النساء فيها متعة كبيرة وعظيمة، وقد يصور لنفسه أنه بالفعل يحقق هذه المتعة العظيمة، أو يظل ينشد الوصول لهذه المتعة العظيمة، وينظر إلى شهوة النساء على أنها السعادة الني ينشدها الجميع ويعيشون لها، ويظل يتغنى بها في حله وترحاله، وذلك كله رغم يقينه النظري بأنها متعة صغيرة وقتية سواء في حد ذاتها حيث للإنسان قدرة محدودة لهذه الشهوة أو إذا قارنها بمتعة الحور العين في الجنة، لكنه يتجاهل ذلك كله ويتغافل عنه ويخدع نفسه ويصور لنفسه أن متعة النساء هي الشيء العظيم ومنتهى الأمل وأن قدرته في التمتع بهذه الشهوة لا حد لها، فإذا كان حبه ومشاعره المتعلقة بهذه الشهوة أكبر من حبه ومشاعره المتعلقة بالله فقد وقع في عبادة شهوة النساء، وفي تفسير القرطبي: (("الذين في قلوبهم مرض"يعني الذين في قلوبهم الزنا ... وقال سلمة بن كهيل: نزلت في أصحاب الفواحش، والمعنى متقارب ) ) [3] ، وفي الحديث: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [4] .

ـ وقد تتعلق مشاعر الإنسان ببعض الشهوات كشهوة المظاهر أو بالمال أو شهوة النساء ... الخ ولكنها لا تصل إلى درجة أن تكون عبادة للمظاهر أو المال أو شهوة النساء .. الخ، أي لا تكون أكبر مشاعره متعلقة بالمظاهر أو المال أو شهوة النساء .. الخ، وذلك لأي واحدة على حدة، ولكن قد تتعلق مشاعر الإنسان بمجموعة من الشهوات أو الأشياء فيكون مجموع تعلق مشاعر الإنسان بمجموع هذه الشهوات أكبر من تعلق مشاعر الإنسان بالله والآخرة، وهذا هو الخطر.

(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 6010 في صحيح الجامع)

(2) البقرة: 170

(3) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 14، ص: 245)

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5597 في صحيح الجامع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت