فيقتل لأجاب: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) ) [1] .
ـ فالخضوع والطاعة يكون لسببين لابد من وجودهما معا هما الخضوع لأن الله هو المستحق للعبادة والخضوع خوفا من النار ورجاءا في الجنة.
ـ مفهوم الخضوع (الشعور بالضعف) :
ـ الشعور بالخضوع معناه الشعور بأننا واقعون تحت سيطرة قوة قاهرة أكبر من قوى العالم، وهذا يعني أننا لسنا أحرارا ولكننا مملوكين عبيدا تابعين، والشعور بأننا ضعفاء لا نملك شيئا ولا حتى أنفسنا، ولا نستطيع أن نجلب أي نفع لأنفسنا، وأن ما عندنا من صفات كالقوة والإرادة والسمع والبصر ... إلخ هي أمور مخلوقة فينا، فنحن وكل ما عندنا عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرنا بيده.
ـ الشعور بالخضوع يحدث عندما يشعر الإنسان بأنه ضعيف لا يمتلك قوة.
ـ ومن صور إدعاء القوة الغرور بالنعم على أنها ملك له وعدم الشعور بضعف الإنسان في الانتفاع بالنعم، وبالتالي الشعور الكاذب بعظمة قيمة شهوة المال وشهوة النساء والطعام والشراب وشهوة الجاه والسلطان والمظاهر، والشعور الكاذب بعظمة قيمة أي شيء سوى الله سبحانه وما يتصل به، كالتعلق بالناس أو الأعمال الدنيوية أو الطموحات والآمال الدنيوية أو أي شيء أو منهج يخترعه الإنسان، والعاقل لا يتعلق بغير الله لأنه وحده النافع الضار وكل ما سواه لا ينفع ولا يضر فلا قيمة له.
ـ فإذا شعر بأن كل ذلك لا قيمة له شعر بالاستسلام والخضوع.
ـ فالخضوع هو الشعور بعدم الملكية، والملكية قوة وعدم الملكية ضعف، فالذي لا يملك مالا ولا متاعا ولا شهوات ويشعر بملكية كل شيء لله يشعر بافتقاره وضعفه أمام الله تعالى، فإذا خرجت الدنيا من القلب دخل الخضوع ولن يخضع الإنسان طالما أنه يشعر بأنه يمتلك.
ـ عدم الشعور بالخضوع لله معناه استكبار: (( أنهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [2] ، فالذي يمنع من الشعور بالخضوع لله هو خضوع الإنسان لغير الله سواء خضوعه للدنيا، أو خضوعه للشهوات أو للمال أو لأي شيء آخر.
ـ الإنسان أمامه خياران هو إما أن يركع وإما أن يرفض الركوع، أي إما أن يبيع نفسه كما كان يحدث قديما في سوق العبيد فيعيش تابعا منقادا لسيده وليس له أي شيء خاص به، فما عنده من مال هو ملك لسيده وما عنده من ملابس وطعام هو ملك لسيده، وسيده له أن يفعل به ما يشاء، أو يتحرر من هذه العبودية ويكون له رأيه وشخصيته الخاصة به.
ـ الأصل أن الإنسان ليس لديه أي نعم، ومجيء النعمة له ليس قوة له لأنها ليست ملكه ومجيئها ليس بيده، وذهاب النعمة عنه ليس ضعف منه لأنها ليست ملكه وذهابها ليس بيده فالله هو الذي يعطيه النعمة أو يسلب منه النعمة، ومجيئ النعمة أو ذهابها ليس باختياره وليس عليه إلا أن يقبل الأمر ويرضى باختيار الله له، فهذا هو الخضوع.
ـ الخضوع والذل هو الاستسلام أي إسلام النفس وكل ما تملك إلى مالكها الحقيقي هو الله سبحانه، أي التجرد من كل ما تملك لتنسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه، لذلك هو أصعب شعور علي النفس، فأنت مستسلم مغلوب علي أمرك من الله والله غالب علي أمره، والخضوع والذل معناه أن تعيش مرهونا بعطائه فمن غيره تموت، ذليلا لعطائه محتاجا لعطائه، فبغير عطاءه ونعمه لا تستطيع أن تتنفس، فالنفس والهواء نعمة، فأنت عبد إحسانه خاضع لما يجود به عليك، وكما يقولون فالإنسان أسير الإحسان، والخضوع والذل معناه اليقين الحقيقي بأن الله لا يسأل عما يفعل (( لا يُسْأَلُ
(1) التوبة: 111
(2) الصافات: 35