ـ التناقض بين نظرة الإنسان واقتناعه بقيمة ومقدار الأشياء:
ـ كل الناس على اقتناع ويقين تام بان الدنيا لا قيمة لها في الآخرة وأن الآخرة هي من أخطر ما يمكن لكن نظرتهم إلى قيمة الدنيا والآخرة على عكس ذلك تماما، فهم ينظرون إلى الدنيا نظرة اهتمام بالغ وينشغل بها تفكيرهم كأنها عظيمة القيمة، في حين ينظرون إلى الآخرة دنيا بغير اهتمام ولا ينشغل بها تفكيرهم كأنها أمر تافه لا قيمة له.
ـ وحقيقة اليقين عند الإنسان هي نظرته للشيء، فإذا كان ينظر إلى الشيء عظيم القيمة فيراه عظيم القيمة فهو يدرك قيمته فيقينه سليم، فهو ينظر إليه نظرة انبهار وإعجاب ودهشة وغرابة وترقب وخوف ورجاء وحب، فإذا كان الإنسان ينظر إلى الآخرة بغير هذه النظرة فيقينه بالآخرة هو يقين نظري فقط وليس يقينا حقيقيا لأن الآخرة في نظره وهم وسراب لا قيمة له كأساطير الأولين أو مثل حواديت الشاطر حسن، وكذلك إذا كانت نظرته إلى قدرة الله وصفاته المبهرة الهائلة مثل نظرته إلى أي أمر لا قيمة له فه لا يتأثر ولا يعجب ولا ينبهر بصفاته كأنها لا قيمة لها فيقينه بالله هو يقين نظري فقط لا قيمة له.
ـ ويحدث هذا التناقض من خلال التناسي لقيمة الشيء.
ـ ثالثا: التلهي بالدنيا (انقطاع الهموم عن الله والآخرة)
ـ الهم يدل على هدف الإنسان وغايته، فإما أن يكون غايته الله والآخرة فيكون ذلك همه، وإما أن يكون غايته الدنيا فيكون ذلك همه فهو يعبد الدنيا، فإذا لم يكن لله والآخرة وجود في هم الإنسان فهذا نسيان لله والآخرة.
ـ انقطاع الهم بالخطر أثناء وقوعه هو غياب لليقين الحقيقي بهذا الخطر:
ـ لابد أن يستمر انشغال البال بالخطر طوال فترة وقوع الخطر، فإذا انقطع الهم في وقت أثناء وقوع الخطر فهذا معناه أن الإنسان تناسى الخطر وأنه أصبح لا يعقل، أنت الآن مسافر إلى الآخرة ولقاء الله والمحكمة الإلهية على أعمالك على وشك القدوم، وأنت الآن في مرحلة اختبار مدته يوما أو بعض يوم، أليس السفر إلى الآخرة خطر أنت واقع فيه الآن؟ وأليس وجودك في لجنة الامتحان الآن خطر؟، ذلك الامتحان الذي يتوقف عليه مصيرك كله، أليس وجود الإنسان طوال حياته داخل طائرة تطير به في الفضاء (الكرة الأرضية) حول نار الشمس الهائلة المشتعلة في الفضاء خطر قائم؟ الآن يدل على ضعف الإنسان ووقوعه تحت سيطرة وقدرة الخالق يستطيع أن يفعل به ما يشاء، وكيف ينسى عاقل آية كهذه أو غيرها من الآيات في كل شيء.
ـ فإذا لم يكن مع هم الدنيا هم الآخرة فأصبح الهم كله للدنيا فهذا معناه نسيان الله والآخرة.
ـ عندما ينشغل هم الإنسان بعظمة الله أو آياته الكونية أو خطورة الآخرة أو ضآلة الدنيا أو ضعف الإنسان عند الابتلاءات مثلا حيث يبتعد الهم عن روتين الهموم اليومية يشعر الإنسان بروح الإيمان تدب في نفسه.
ـ من شغل همه بالآخرة فقد شغل همه بشيء واحد فقط، ولكن من شغل همه بالدنيا فقد فتح على نفسه آلاف الهموم فهذه هي طبيعة الدنيا، فكلما دخل من باب وجد أبواب أخرى كثيرة، ويظل تتشعب به الهموم حتى يهلك، فطبيعة الدنيا عبارة عن متاهة كلما سرت في طريق وجدت طرقا أخرى فدائما يستجد لك فيها هموم أخرى وآمال أخرى ومتاعب أخرى، ففي الحديث: (( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط في وسط الخط خطا، وخط خارجا من الخط خطا، وحول الذي في الوسط خطوطا، فقال هذا بن آدم وهذا أجله محيط به، وهذا الذي في الوسط الإنسان وهذه الخطوط عروضه إن نجا من هذا ينهشه هذا، والخط الخارج الأمل ) ) [1] أي يموت ولا يزال عنده تمني وآمال لم تتحقق، فيظل الشيطان يلهيه حتى يموت.
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 635، برقم 2454)