التفكير في حقيقة الخالق وصفاته ومدي عظمته وهيمنته على الإنسان وعدم التفكير في حقيقة الآخرة ومدى خطورتها، وعدم التفكير في حقيقة الدين وأصله والتي هي معرفة الخالق وتحقيق الخضوع والحب والخوف والرجاء ومعرفة أن الدنيا دار اختبار وحصر التفكير فيما دون ذلك من أمور الدين.
ـ تعطيل عمل العقل يشمل ثلاثة أمور هي:
ـ أولا: عدم التصور
ـ يمنع نفسه من التصور والتدبر والتفكر في قيمة المعلومات، فلا يتعرف على حقيقة الأمر، في حين يكون تصوره وتدبره في ظاهر الأمر وليس في حقيقته فينخدع بظاهر الأمر.
ـ وقد يبيع عقله لفكرة معينة بغير دليل، فيضع عقله في إطار معين ويحصر عقله وتصوره فيها، والذي يوجه عقله توجيه خاطئ هو المسئول عن نفسه وهو لا يعقل.
ـ وهو بذلك يعطل عقله لأن ذلك يؤدي إلى عدم وجود الشعور بالقيمة (الوعي والإدراك) والتي هي أهم وظيفة للعقل.
ـ لماذا يعطل الإنسان عقله؟: لأنه يعلم أن الأمر فيه خضوع وهو لا يريد ذلك وفيه ترك لما اعتاد عليه تقليدا لمن سبقه من الناس فيتعامل مع هذه المعلومات كأن لم تكن وكأنه لم يسمعها، وهو لا يستطيع أن يمنع نفسه من اليقين النظري ولكنه يستطيع أن يمنع نفسه من تصور الأمر وبالتالي لا يحدث الخضوع.
ـ ثانيا: تعطيل الشعور بالقيمة (التزيين والغرور)
ـ فيكون عنده شعور كاذب بقيمة الشيء، فالشيء الضئيل يراه عظيما (التزيين والغرور) والشيء العظيم يراه ضئيلا (يتناساه) .
ـ أي غياب الوعي والإدراك والشعور بقيمة الأمر، أي عدم تأثر الذهن بقيمة الشيء، وهذا معناه أن الإنسان لا يعي حقيقة وقيمة ما يقوله ولا يعي حقيقة وقيمة ما يوقن به ولا يعي حقيقة وقيمة ما حوله.
ـ فأصبح كأنه لا يعقل وكأنه لم يسمع عن وجود الله وكأنه نسي وجود الله وقدرته ووجود الآخرة وخطورتها، فالعقل موجود ولكنه بلا فائدة والسمع والبصر موجود ولكنه بلا فائدة، ففائدة وصول المعلومة من خلال السماع والرؤية والتفكير هو الوعي والإدراك لقيمتها، وحيث أن ذلك لم يحدث فكأن الإنسان لا يسمع ولا يرى ولا يعقل.
ـ وهو عندئذ يتعامل مع الأمر كأنه لم يكن يعرفه ولم يسمع عنه البتة، فينظر إلى الأمر العظيم نظرة إهمال وينخدع بالأمر التافه المزين فينظر إليه نظرة تعظيم، وحقيقة يقينه عندئذ هي عكس يقينه النظري (غياب اليقين الحقيقي) .
ـ التصور لظاهر الأمر يؤدي إلى أن تكون نظرة الإنسان إلى الشيء على عكس حقيقته فيرى الدنيا والشهوات الضئيلة الفانية على أنها عظيمة القيمة والنفع ولا يرى لقدرة الله وخطورة الآخرة قيمة.
ـ فإذا تعطلت وظيفة الشعور بالقيمة أصبح الإنسان يسمع بغير شعور بقيمة ما يسمعه، ويرى بغير شعور بقيمة ما يراه، ويعرف بغير شعور بقيمة ما يعرفه، ويعلم بغير شعور بقيمة ما يعلمه، ويفهم بغير شعور بقيمة ما يفهمه، ويصدق بغير شعور بقيمة ما يصدق به، ويوقن بغير شعور بقيمة ما يوقن به، ويؤمن بغير شعور بقيمة ما يؤمن به.
ـ يصبح الإنسان فاقد العقل لأنه لا يفكر في حقائق الأمور وبالتالي لا يعرف حقيقة ما هو خير وما هو شر وما هو ينفع وما هو يضر، فهو يفكر في ظاهر الأمر فقد يضخم الشيء التافه ويحقر الشيء الذي فيه نفع كبير أو ضرر كبير، والإنسان عندئذ جاهل لا علم له وأعمى لا يرى وأحمق لا عقل له.