فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 249

سنعاملكم معاملة الناسي لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء بل من باب المقابلة كما قال تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) ) ) [1] .

ـ فهناك فرق بين الجهل بالشيء وتجاهل الشيء، فالجهل بالشيء هو عدم العلم به، وتجاهل الشيء هو أن ينظر إلى الشيء كأنه ليس له قيمة أو كأنه أمر تافه، فليس للشيء قيمة في نظره أو شعوره، فهو لا يشعر بقيمة الشيء، أي ينظر إلى الشيء نظرة الناسي له، أي كأنه نسيه رغم أنه لم ينساه، أي ينظر إلى الشيء نظرة إهمال لقيمته كأن ذلك الشيء لا قيمة له، أي عدم الشعور بقدر ذلك الشيء (لا يتصوره ولا يشعر بقيمته ولا ينشغل به باله) .

ـ فتجاهل الأمر والتغافل عنه وتناسيه معناه العلم به مع عدم تصوره وبالتالي عدم الشعور بقيمته، فالعلم بالشيء من خلال العين أو السمع أو العقل من غير تصوره والشعور بقيمته هو علم نظري وليس علم حقيقي ومعناه التجاهل والتغافل عن ذلك الشيء.

ـ فالمعرفة النظرية معناها إفراغ الكلمة من محتواها، فتصبح عديمة القيمة، فمثلا المعرفة النظرية بوجود الله وقدره وعظمته موجودة عند جميع الناس، لكن المعرفة الحقيقية بوجود الله وقدره وعظمته غير موجودة عند البعض لعدم وجود التصور والشعور بقدر الله وعظمته.

ـ فالغافل عن الله أو الجاهل بالله أو الذي ينسى الله يعيش كأنه يجهل وجود الله وعظمته كأنه لم يسمع عن كلمة (الله) ، حيث حدث إفراغ لكلمة (الله) من محتواها الحقيقي فتصبح كأنها عديمة الأهمية وعديمة التأثير، فالكلمة التي لا يشعر الإنسان بما فيها من نفع أو ضرر أو أهمية تصبح كأنها كلمة لا تنفع ولا تضر، والإنسان لا يشعر ولا يتأثر بما لا ينفع ولا يضر وليس ذو قيمة أو أهمية.

ـ وكذلك المعرفة النظرية بوجود الآخرة وخطورتها موجودة عند جميع الناس، والغافل عن الآخرة أو الجاهل بالآخرة أو الذي ينسى الآخرة يعيش كأنه يجهل وجود الآخرة وخطورة ما فيها من نفع أو ضرر كأنه لا يعرف شيئا اسمه (الآخرة) حيث حدث إفراغ لكلمة (الآخرة) من محتواها الحقيقي فتصبح كأنها عديمة الأهمية وعديمة التأثير، فالكلمة التي لا يشعر الإنسان بما فيها من نفع أو ضرر أو أهمية تصبح كأنها كلمة لا تنفع ولا تضر، والإنسان لا يشعر ولا يتأثر بما لا ينفع ولا يضر وليس ذو قيمة أو أهمية.

ـ فالغافل عن الآخرة يتعامل مع كلمة (الآخرة) كأنها تتحدث عن بشر غير موجودون على الأرض وأن هؤلاء البشر سوف يذهبون لعالم آخر غير الأرض، إذن فالقضية لا تخصه هو ولا تعنيه ولا تضره ولا تنفعه فلا يشعر بقيمتها، ولا مانع من أن يوافق عليها فلا يستشعر خطورتها لأنها لا تخصه، وعندئذ تكون موافقة نظرية وليست حقيقية.

ـ فمعنى الغفلة أي التغافل، فالغفلة معناها أن الإنسان إذا نظر إلى السماء لا يتعجب من مدى اتساعها وسر وجودها فلا يشعر أن لذلك قيمة، وعندما ينظر إلى نفسه لا يتعجب من سر وجوده وحقيقة مصيره وهدفه فلا يشعر أن لذلك قيمة، وعندما يسمع بنزول القرآن ودعوة الرسل لا يشعر بقيمة هذا الأمر وخطورته، وعندما يعرف بوجود الآخرة لا يشعر بخطورتها، فهو غافل قد عطل عقله، رغم أنه يعرف كل ذلك ولكن معرفة نظرية بدون شعور بخطورة هذه الأمور.

ـ التناسي (تعطيل العقل) معناه أن الإنسان يتناسى كل شيء فهو يعيش كأنه ليس له ربا وكأنه لن يموت وكأنه لا آخرة، ويتجاهل أن هناك رقيب وعتيد وأن الله يراه رغم علمه بذلك، وكذلك يتجاهل آيات السماء والأرض والنظر فيها فيتناسى هذه الأمور كأن لم تكن، وكأن أحدا لم يذكرها له، وكأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة أو الموت، رغم اقتناعه النظري التام بالآخرة وبأنه سيموت، ويتعامل مع آيات الله كأنه لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم.

ـ التناسي هو تعطيل العقل عن القيام بوظيفته الطبيعية وهي التفكير في حقائق الأمور يجعل الإنسان عقله مريض، فالتناسي معناه شغل التفكير في غير حقائق الأمور، أي التفكير في ظاهر أمور الدنيا والدين وليس في حقيقة أمور الدنيا وأمور الدين، أي حشو العقل بأمور الدنيا ومشاغلها وهمومها والعلوم الدنيوية الحديثة، وعدم التفكير في حقائق الأشياء وسر وجودها وعدم التفكير في حقيقة الدنيا وضآلتها وعدم التفكير في حقيقة النفس ومدي ضعف الإنسان وعدم

(1) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 6، ص: 362)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت