فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 249

ـ مفهوم التناسي والتجاهل والتغافل والتعامي والتصام والتغابي:

ـ العين والأذن والعقل هي أجهزة مسئولة عن استقبال المعلومات والتعامل معها، فيحدث أولا استقبال المعلومة فالعين ترى والأذن تسمع والعقل يفكر، ثم يتم تحليل هذه المعلومة في العقل من خلال ثلاثة وظائف هي التصور لمدى ما فيها من النفع أو الضرر (الألم واللذة) والشعور بقيمة ذلك النفع أو الضرر وانشغال البال بقدر ما فيها من نفع أو ضرر، فإذا عطل الإنسان عقله أصبح يرى ويسمع ويفكر ولكن بغير شعور بقيمة الشيء الذي يراه أو يسمعه أو يفكر فيه، وهذا معناه أن الإنسان يكون متجاهلا ومتغافلا عن هذا الشيء الذي يراه أو يسمعه أو يفكر فيه، فيصبح كأنه لا يسمع ولا يرى ولا يعقل.

ـ الجهل بأي معلومة يحدث في حالتين هما:

1ـ عدم وصول المعلومة: فالمخبر لم يخبره بالأمر: فمثلا إذا كان هناك قوم لم تبلغهم رسالة الإسلام، فلم تأتي إليهم الرسل لتخبرهم عن الله وعن وجود الآخرة وعن مراد الله منهم، فهؤلاء غير مكلفون لأنهم لم يصل إلى سمعهم شيء، ففي الآية: (( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ) [1] ، (( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ) [2] .

2ـ وصلت المعلومة ولكن السامع أصم لا يسمع أو مجنون لا يعقل: فمثلا الكفار كانوا يدعون الأصنام والأصنام لا تسمع دعاءهم، فالأصنام ليس لها سمع ولا عقل: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) [3] ، ومثل هذا الإنسان الذي فيه مرض في سمعه أو عقله يمنعه من أن يسمع أو يعقل فهو أيضا غير مكلف.

ـ أما التجاهل والتغافل فمعناه أنه يتصنع أحد الأمرين السابقين، أي كأن المعلومة لم تصل إليه، أو وصلت ولكنه أصم لا يسمع، فالتناسي والتجاهل والتغافل معناه أنه سمع الأمر وعلمه ولكنه تجاهله كأنه لم يسمعه ولم يعلمه وكأنه أعمى لا يرى وكأنه أصم لا يسمع وكأنه مجنون لا يعقل وكأنه صنم أو جماد أو ميت ليس فيه حياة، فإذا أخبرته بالأمر فكأنما تخاطب حجرا لا يفقه، وكما يقول الشاعر: لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي، فهو بذلك قد عطل وظائفه، وتحديدا هو قد عطل شعوره بقيمة ما يسمع أو يرى أو يعلم.

ـ وكثيرا ما يطلق عبارات الغفلة والنسيان والعمى والصمم في الشرع ويقصد بها التغافل والتناسي والتعامي والتصام، ففي تفسير معاني القرآن: (( وقوله جل وعز والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، أي لم يتغافلوا عنها ويتركوها حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر ) ) [4] ، وفي تفسير الكشاف: (((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) .. ومن يتعام عن ذكره أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى كقوله تعالى:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم")) [5] ، وفي تفسير ابن كثير: (( {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا عن قبول الهدى وإتباع الحق ) ) [6] .

ـ فقد تطلق كلمات الجهل والغفلة والنسيان ويقصد بها التجاهل والتغافل والتناسي، مثل الغفلة عن الله ونسيان الله والغفلة عن الآخرة ونسيان الآخرة، فنسيان الله والآخرة معناه التناسي لقدر الله وخطورة الآخرة فهو يعامل الله معاملة الناسي له، ففي تفسير ابن كثير: (( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، إنا نسيناكم أي

(1) الأنعام: 131

(2) يس: 6

(3) الأحقاف: 5

(4) تمعاني القرآن للنحاس جامعة أم القرى - مكة المرمة (ج: 5، ص: 55)

(5) تفسير الكشاف ـ دار الكتاب العربي - بيروت (ج: 4، ص: 252)

(6) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 5، ص: 201)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت