ـ أولا: تعطيل عمل العقل (تناسي الأمر وتجاهله)
ـ سبب تعطيل العقل هو الهروب من الخضوع:
ـ الإنسان لا يريد أن يخضع، والطريقة التي تجعله لا يخضع هو نسيان ما يوجب عليه الخضوع، أي نسيان الله والآخرة ودعوة الرسل، والمقصود بالنسيان هنا أي التناسي.
ـ أصل العبادة الشعور بالخضوع، فلا تتحقق العبادة بغير خضوع، والرسل جاءت تنادي في الناس: (( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) ) [1] ، ولكن الناس يهربون لا يريدون الخضوع، لأن مفهوم الحياة سوف يتغير فيعيشون حياة العبد لسيده، ويعيشون حياة الخائف الهارب من النار، ويعيشون حياة المسافر المستعد للرحيل، ويعيشون حياة الطالب في لجنة الامتحان تحت مراقبة تحسب عليه كل حركاته وسكناته.
ـ وجود الخضوع معناه وجود إله ووجود عبد ووجود دين، والهروب من الخضوع معناه الهروب من الدين ومن قضية أن يكون لك إله رغم اليقين النظري التام بالله وبالدين.
ـ كل ما يدل على قوة الله يدل على ضعف الإنسان وأنه خاضع لله، فالآيات الكونية وصفات الخالق ووجود الآخرة التي هي ثواب الله وعقابه الهائل ووجود الملائكة بخلقتها الهائلة ونزول القرآن وإرسال الرسل كل ذلك يدل على قوة الله وأن الإنسان خاضع لله وواقع تحت قدرته ومراقبته، فكل ذلك هو موجبات الخضوع، والإنسان يعلم هذه الأمور التي توجب عليه الشعور بالخضوع والاعتراف بأنه خاضع لله، لكنه يتناساها ويتجاهلها حتى لا يخضع لأنه لو فكر فيها وعقلها لشعر بالخضوع.
ـ إذن الهروب من الخضوع معناه تناسي وتجاهل ما يوجب الخضوع، أي تناسي وتجاهل الآيات الكونية وصفات الخالق ووجود الآخرة ووجود الملائكة ونزول القرآن وإرسال الرسل، وهو ما يعرف بنسيان الله ونسيان الآخرة ونسيان ذكر الله ونسيان آياته (أي القرآن) .
ـ الإنسان لا ينسى أن الله خالقه ولا ينسى قدرة الله ولا ينسى أن ذلك يوجب عليه الخضوع لكنه يتناسى ذلك لأنه يدعي القوة بما عنده من النعم وحتى لا يخضع، فنسيان الله والآخرة معناه تناسي وتجاهل حقيقة الخالق وقدرته وعظمته وحقيقة الآخرة وخطورتها، أي التعامي والتصام والتغابي والتغافل وتعطيل العقل تجاه الخالق والآخرة.
ـ ونسيان الله والآخرة يشمل ثلاثة أمور هي: عدم تصور قدر الله وعدم الشعور بعظمته وعدم شغل البال بذلك، وكذلك الآخرة، وسوف نوضح هذه الأمور وأدلتها الشرعية.
ـ التناسي يعني أنه يتعامل مع الله كأنه لا يعرفه ويعيش كأن الله لا يراه ولا يسمعه، وكأن الإنسان لم يسمع أو يعرف أصلا عن وجود الله، فهو تناسى الأمر ويتجاهله لأنه لا يريد أن يعقله ويتفهمه، ومن ذلك نسيان الله والآخرة والدين ونسيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة.
ـ فاليقين النظري بالله وبعظمته موجود، ولكنهم لم يتصوروا ويتدبروا معنى أن لهم خالقا، أي لم يتصوروا قوة الخالق وضعفهم أمامه فأدى ذلك إلى عدم شعورهم بقيمة وخطورة أن لهم خالقا فأدى ذلك إلى عدم انشغال بالهم بقدرة الله وخطورة الآخرة، وبالتالي لم يخضعوا لله (عدم تأثر المشاعر بذلك) .
ـ فالتناسي معناه أنه يعلم الشيء ويوقن به ولكنه يتناساه.
ـ أي لا وجود لله والآخرة في تفكير الإنسان وفي همومه، فهو يعلم بوجود الله والآخرة لكن لا يفكر في الأمر ولا يشغل به باله، أي كل تفكير الإنسان وهمه في غير ذلك من أمور الدنيا، فهو بذلك يتعامل مع الله والآخرة معاملة من نسيه فلم يعلمه، أو معاملة الشيء الذي يعلمه ولكن لا قيمة له، والمقصود بالنسيان أي التناسي، أي تناسي الله والآخرة.
(1) الأعراف: 59