ـ (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [1] ، (( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ) [2] ، (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [3] ، (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) ) [4] ، (( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ) [5] .
ـ فقد تموت وظائف الإنسان وهو لا يزال حي، فهو عندئذ كالمريض الذي أصيب"بسكتة مخية"حيث توقف المخ عن العمل في حين أعضاءه لا تزال تعمل، أو كالرجل الذي شرب خمرا فأصبح سكرانا كأنه لا عقل له، أو كالطفل الصغير يلعب ويلهو دون أن يعقل الأمور، أو كالنائم الذي يقوم من نومه ويتحرك وهو لا يزال نائما (كما يحدث عند بعض الناس) ، أو كالبهائم لا عقل لها رغم أنها تعيش حياتها وتأكل وتنام وتتكاثر، أو كالحمار يحمل على ظهره كتب سماوية ومصاحف لكنه لا يعي ولا يفهم قدر ما يحمله، فوظائف المعرفة والعلم والفهم والوعي والإدراك أصبحت معطلة بسبب غياب الإحساس بالقيمة، فهو يسمع ويعقل لكنه ليس لديه إحساس بقيمة ما يسمعه أو يعقله، فأصبح كأنه لا يسمع ولا يعقل وكأنه ميت لأنه فقد الإحساس بقيمة الأشياء: (( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ) [6] ، فالذين لديهم الإحساس بقيمة ما يسمعونه فقط هم الذين يسمعون وفقط هم الأحياء وغيرهم هم الموتى: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [7] ، فالإنسان الحي مجرد أن يسمع ويعلم أن له خالقا يسيطر عليه وعلى الكون بأسره بقدرة هائلة فوق قدرة الإنسان فإنه يشعر بخطورة هذا الأمر الهائل ويشعر بمدى قيمة هذه القدرة الهائلة المهيمنة عليه ومدى ضعف الإنسان، ويؤدي هذا الإحساس بالقيمة إلى الشعور بخوف المهابة من مدى قدرة الخالق والشعور بحب الإعجاب بمدى قدرته، ويؤدي ذلك إلى أن يعيش حياته للخالق وليس لنفسه مستسلما له منقادا له، والإنسان الحي مجرد أن يسمع ويعلم بوجود الآخرة وما بها من أهوال وأنها المستقبل والمصير وحياة الخلود فإنه يشعر بخطورة هذا الأمر الهائل ويشعر بمدى قيمة هذه الحياة الأبدية وبالتالي مدى ضآلة الحياة الدنيا العابرة، ويؤدي هذا الإحساس بالقيمة إلى الشعور بخوف المهابة من الآخرة والشعور بحب الجنة والشوق لها، ويؤدي ذلك إلى أن يعيش حياته للآخرة وليس للدنيا يستعد للسفر إلى الحياة الحقيقية.
ـ سابعا: الإدبار والتولي والإعراض والتلهي والتشاغل والفرار:
ـ قد يحدث التغافل من خلال أن الإنسان يترك المتحدث يتحدث مع نفسه حيث يعطيه ظهره (أي يدبر عنه) ويتركه مبتعدا عنه (أي يتولى ويعرض عنه) كأنه لا يسمعه ولم يراه، أو يتركه يتكلم ويتكلم هو مع آخرين فيشغل نفسه عن كلام المتحدث أو يشغل نفسه بأعمال أخرى، فهو بذلك يعطل الوظائف المتعلقة بالمعرفة.
ـ الإدبار كما في قوله: (( تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) ) [8] ، (( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ) [9] ، (( ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ) ) [10] .
ـ والتولي كما في قوله تعالى: (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ) ) [11] ، (( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) ) [12] ، (( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ) ) [13] .
ـ والإعراض كما في قوله: (( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) ) [14] ، (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ(67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ )) [15] ، (( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) ) [16] ، (( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) ) [17] ، (( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) ) [18] ، (( وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا
(1) الأنعام: 36
(2) النمل: 80
(3) يس: 70
(4) الأنعام: 122
(5) فاطر: 22
(6) الفرقان: 44
(7) الأنعام: 36
(8) المعارج: 17
(9) النمل: 80
(10) المدثر: 23
(11) لقمان: 7
(12) الأنفال: 23
(13) النجم: 29
(14) فصلت: 4
(15) ص: 67، 68
(16) الأنبياء: 24
(17) يوسف: 105
(18) الأنبياء: 32