فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 213

فيجب على المؤمن أَنْ يحذرَ ذلك كما يحذر الكفر الصريح، فيلزمه مفارقة هذه المجالس، حتى ينجوَ مِن عذاب الله، ولا يمنعه مِن ذلك خوفٌ على مالٍ أو مركزٍ، أو أيّ عَرَضٍ مِن أعراض هذه الدنيا؛ فإِنَّ الله سبحانه أحقّ أَنْ يخشاه [1] » أهـ

فَدَلَّت الآيةُ - مع أقوال المفسِّرين فيها - على مسائل؛ منها:

الأولى: أنَّ الاستهزاء بآيات الله - عز وجل - كفرٌ صريحٌ لا شكّ فيه.

الثانية: أنّ الرّضى بهذا الكفر - أو غيره من أنواع الكفرِ: كفرٌ أيضًا.

ومِن الرِّضى بالكفر: تشجيع أصحابه، ودَعْم مسيرتهم وأعمالهم، ونشر باطلهم وكفرهم بين الناس، ونحو ذلك مِن ألوان الرِّضى بالكفر.

الثالثة: ضرورة اجتناب الكافرين، والمستهزئين بدين الله وآياته، وتَرْك موالاتهم، واتِّباع كافَّة أحكام البراءة مِن الكافرين معهم، والإنكار عليهم، ومقاومتهم بكافة السُّبُل المتاحة.

-وقال - جل جلاله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة:57 ـ 58] .

قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ رحمه الله:

«يقول تعالى ذِكْرُه للمؤمنين به وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الذين آمنوا} ؛ أي: صَدَّقوا الله ورسولَه: {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ؛ يعني: اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأُنْزِلَتْ عليهم الكتب مِنْ قبل بَعْث نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ومِنْ قبل نزول كتابنا {أولياء} ؛ يقول: لا تتخذوهم - أيها المؤمنون - أنصارًا أو إخوانًا أو حُلَفاء؛ فإنهم لا يَالُونَكُم خَبَالًا؛ وإِنْ أَظْهَروا لكم مودةً وصداقةً [2] » إلى آخره.

(1) كتاب «الإيمان» د. محمد نعيم ياسين (ص/109 - ط: مكتبة الزهراء بالقاهرة) .

ومضى نحو بعض كلامه وعباراته في كلام الشيخ سليمان بن عبد الله السابق قريبًا.

(2) قال القرطبي رحمه الله (6/ 224) : «قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذه الآية مثل قوله تعالى: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة:51] ، و {لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران:118] : تضمَّنَت المنع مِن التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك.

ورَوَى جابرٌ: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أرادَ الخروج إلى أُحُدٍ جاءهُ قومٌ مِن اليهود فقالوا: نسِيرُ معك؛ فقال عليه الصلاة والسلام: (إنَّا لا نستعين على أمرنا بالمشركين) .

وهذا هو الصحيح مِن مذهب الشافعي.

وأبو حنيفة جَوَّزَ الانتصار بهم على المشركين للمسلمين؛ وكتابُ الله تعالى يدلُّ على خلافِ ما قالوه، مع ما جاء مِن السنة في ذلك؛ والله أعلم» أهـ

وانظر للحديث المذكور: «صحيح مسلم» (1817) ، وقد رواه مسلمٌ مِن حديث عائشة رضي الله عنها مطوَّلًا بغير هذا السياق؛ فراجعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت