وأَحْرَقَتْ ذلك الكافر معه؛ فكانت عِبْرَةً لِلْخَلْقِ (والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِق) [1] ، وقد كانوا يُمْهَلُون مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حتى يَسْتَفْتِحُوا؛ فلا يُؤَخَّروا بعد ذلك؛ ذكره ابن العربي [2] » أهـ
وقال: ابن كثير رحمه الله:
«هذا تنفيرٌ مِن موالاة أعداء الإسلام وأهله مِن الكِتَابِيين والمشركين؛ الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون - وهي شرائع الإسلام المطهرة المُحْكَمة المشتملة على كل خيرٍ دنيويٍّ وأُخرويٍّ؛ يتخذونها - {هزوًا} يستهزءون بها، {ولعبًا} يعتقدون أنها نوعٌ مِن اللعب في نظرهم الفاسد، وفِكْرهم البارد؛ كما قال القائل:
وكم مِن عائِبٍ قولًا صحيحًا ... وآفتُهُ مِن الفهم السَّقيمِ» [3] .
قال ابن كثير رحمه الله:
«وقوله: {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} ؛ أي: اتقوا الله أَنْ تتَّخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدِينكم أولياء إِنْ كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا؛ كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [آل عمران:28] .
وقوله: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا} ؛ أي: وكذلك إذا أَذَّنْتُم داعين إلى الصلاة؛ التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم مِن ذوي الألباب {اتخذوها} أيضًا {هزوًا ولعبًا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أَتْبَاع الشيطان؛ الذي (إذا سمع الآذان أَدْبَرَ وله حصاص - أي: ضراط - حتى لا يسمع التَّاذِين، فإذا قُضِىِ التأذين أَقْبَلَ، فإذا ثُوِّبَ [4]
(1) فجازاه الله مِنْ جِنْسِ ما تمنَّاه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والجزاء مِنْ جِنْسِ العمل.
(2) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (6/ 233) .
(3) «تفسير القرآن العظيم» (2/ 68)
(4) يعني: أُقِيْمَ للصلاة.
وقد ورَدَ ذلك صريحًا في بعض روايات هذا الحديث في «صحيح مسلمٍ» (389) من رواية جرير، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ» .
وقوله: «أَحَالَ» ؛ أي: ذهبَ هاربًا.
وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (شرح رقم/608) .