للصلاة أَدْبَر، فإذا قُضِيَ التثويب أقبلَ حتى يَخْطِرَ [1] بين المرء وقلبه؛ فيقول: اذْكُرْ كذا اذْكُرْ كذا لِمَا لم يكن يَذْكُرْ، حتى يظلَّ الرجل لا يدري كم صَلَّى، فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك فلْيَسْجُد سجْدَتَيْن قبل السلام) [2] متفق عليه [3] » أهـ
وقال الإمام الآلوسي رحمه الله:
«والكلام مسوقٌ لبيان استهزائهم بحكمٍ خاصٍّ مِن أحكام الدين بعد بيان استهزائهم بالدين على الإطلاق؛ إظهارًا لكمال شقاوتهم {ذلك} ؛ أي: الاتخاذ [4] المذكور {بأنهم} ؛ أي: بسبب أنهم {قوم لا يعقلون} ؛ فإِنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به، ولو كان لهم عقلٌ في الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة [5] » أهـ
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله:
«هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزوًا ولعبًا يعمُّ كل مَن حصل منه ذلك مِن المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وُجِدَت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي [6] » أهـ
فدلَّت الآيةُ بلفظها - مع كلام أهل العلم عليها - على أمورٍ؛ منها:
(1) يعني: يوسوس، وقد وردَ ذلك صريحًا في رواية مسلمٍ المشار إليها في الحاشية السابقة.
وأصله مِنْ خَطَرَ البعير بِذَنَبِهِ إِذا حَرَّكَه فضربَ به فخِذَيْه.
(2) رواه البخاري (608، 1222، 1231، 1232، 3285) ، ومسلم (389) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
قال النووي في «شرح مسلمٍ» : «قال العلماء: وإنما أدبر الشيطان عند الأذان لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) . وقيل: إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد, وإظهار شعائر الإسلام, وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد» .
(3) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثيرٍ رحمه الله (2/ 69) .
(4) يعني قوله: {اتخذوها هزوًا} [المائدة:58] .
(5) «روح المعاني» للإمام الآلوسي (6/ 172) .
(6) «فتح القدير» للشوكاني (2/ 54)