فدلَّت الآية - مع تفسيرها - على مسائل؛ منها:
الأولى: أَنَّ الاستهزاء واللهو واللعب بالدين - أو بعضه - يُعَدُّ كفرًا، يستوجبُ صاحبه {شراب من حميمٍ وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} [الأنعام:70] على ما ورد في آخر الآية.
الثانية: الوعيد الشديد لِمَنْ فعلَ ذلك.
الثالثة: وجوب التبليغ للقرآن، والتذكير به.
-وقال - عز وجل: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف:50 ـ 53] .
وفي الآية بيان لقول أصحاب الجنة لأهل النار الكافرين، وبيان لصفة الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، فجرَّهم هذا اللهو واللعب والسخرية؛ إلى جهنم وبئس المصير، وزادهم جحودهم وافتراءهم على الله غير الحق نسيانَ الله - عز وجل - لهم، كما نسوا لقاء الله من قَبْلُ وجحدوا بآياته، فخسروا أنفسَهم وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون.
قال الإمام الطبريُّ رحمه الله في قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف:51] ؛ قال:
«وهذا خَبَرٌ من الله عن قِيلِ أهل الجنة للكافرين.
يقول تعالى ذِكْره: فأجاب أهلُ الجنة أهلَ النار: {إنَّ الله حرمها على الكافرين} [الأعراف:50] الذين كفروا بالله ورسله، {الذين اتخذوا دينهم} الذي أمرهم الله به {لهوًا ولعبًا} ؛ يقول: سخريةً ولعبًا».
ثم أورَدَ الطبريُّ عن ابن عباس قوله: «وذلك أنهم كانوا إذا دُعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به؛ اغترارًا بالله [1] » أهـ
وقال الرازي عفا الله عنه:
«ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، وفيه وجهان:
الوجه الأول: أنَّ الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم؛ تلاعبوا به، وما كانوا فيه مجدِّين.
والوجه الثاني: أنهم اتخذوا اللهو واللعب دينًا لأنفسهم؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المستهزئين المقتسمين».
(1) «تفسير الطبري» (12/ 475 رقم 14754) .
وأورد ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» (5/ 1491 رقم 8539) عن ابن عباس قال: « {الذين اتخذوا دينهم لهوًا} ؛ يقول: لعبًا» أهـ