قال الرازي:
«وفي الآية لطيفة عجيبة؛ وذلك أنه تعالى وصفهم بكونهم كانوا كافرين، ثم بَيَّنَ مِن حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهوًا أولًا، ثم لعبًا ثانيًا، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثًا، ثم صار عاقبة هذا الأحوال والدرجات أنهم جحدوا بآيات الله، وذلك يدلُّ على أنَّ حبَّ الدنيا مبدأ كل آفة .... وقد يُؤَدِّي حبّ الدنيا إلى الكفر والضلال [1] » أهـ
فدلَّت الآية - مع تفسير العلماء لها - على مسائل، منها:
الأولى: أن الاستهزاء بآيات الله - عز وجل - واللهو واللعب بالدِّين يؤدَّي إلى جحود الآيات.
الثانية: أنَّ مَن استهزأ بآيات الله فقد كفر، واستحقَّ جهنم بما فيها مِن عقابٍ وعذابٍ؛ ذلك أنَّ الله - عز وجل - وصف الكافرين ونعتَهُم باللهو واللعب والجحود بالآيات، وأوجب لهم بذلك النارَ، وحرَّم عليهم بذلك نعيم الجنان، وزاد في التنكيلِ بهم فأراهم ما فيه أهل الجنة مِن نعيمٍ؛ نكالًا بهم، وزيادةً في تعذيبهم وأَلَمِهِمْ؛ والعياذ بالله.
-وقال - جل جلاله: {وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة:61 - 66] .
ذكر المفسِّرون [2] جملة مِن الأسباب في سبب نزول هذه الآية؛ لكنَّ العِبْرَةَ بعموم لفظها لا بخصوص سبب نزولها.
ولذا قال الرازي عفا الله عنه:
«اعلم أنه لا حاجة في معرفة هذه الآية إلى هذه الروايات؛ فإنها تدلُّ على أنهم ذكروا كلامًا فاسدًا على سبيلِ الطعن والاستهزاء، فلمَّا أخبرهم الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] بأنهم قالوا ذلك خافوا واعتذروا عنه بأنَّا إنما قلنا ذلك على وجه اللعب، وهذا يدلُّ على أن كلمة {إنما} تفيد الحصر؛ إِذْ لو لم يكن ذلك لم يلزم مِن كونهم لاعبين أن يكونوا مستهزئين، فحينئذٍ لا يتم هذا العذر [3] » أهـ
قال ابن الجوزي رحمه الله:
(1) «التفسير الكبير» للفخر الرازي (14/ 77) .
(2) انظر ـ مثلًا ـ: «تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله» (10/ 171 ـ 173) .
(3) «التفسير الكبير» للرازي (16/ 98) .