الحكم الأول: أنَّ الاستهزاء بالدين كيف كان كفرٌ بالله؛ وذلك لأنَّ الاستهزاء يدلُّ على الاستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان: تعظيم الله تعالى بأقصى الإِمكان، والجمعُ بينهما محالٌ.
الحكم الثاني: أنَّه يدلُّ على بطلان قول مَن يقول: الكفر لا يدخل إلاَّ في أفعال القلوب.
الحكم الثالث: يدلُّ على أنَّ قولهم الذي صدر منهم كفرٌ في الحقيقة؛ وإِنْ كانوا منافقين مِن قَبْلُ، وأنَّ الكفر يمكن أَنْ يتجدَّد مِن الكافر حالًا فحالًا.
الحكم الرابع: يدلُّ على أنَّ الكفر إنما حَدَثَ بعد أَنْ كانوا مؤمنين.
ولقائلٍِ أَنْ يقول: القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك؟
قلنا: قال الحسن: المراد {كفرتم بعد إيمانكم} الذي أَظَهَرْتُموه، وقال آخرون: ظهر كفركم للمؤمنين بعد أَنْ كنتم عندهم مسلمين، والقولان متقاربان [1] » أهـ
وقال الإمام نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري رحمه الله تعالى (ت 728) في تفسير هذه الآيات:
«وفيه أنَّ الاستهزاء بالدين كيف كان كفرٌ بالله صريحٌ؛ لأنَّ العمدةَ الكبرى في الإيمان: هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه [2] » أهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الكلام على قوله تعالى في هذه الآيات: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة:65] :
«تدلُّ على أَنَّ الاستهزاء بالله كفرٌ، وبالرسول كفرٌ، مِنْ جهةِ الاستهزاء بالله وحده كفرٌ بالضرورة؛ فلم يكن ذِكْر الآيات والرسول شرطًا؛ فَعُلِمَ أَنَّ الاستهزاءَ بالرسولِ كفرٌ؛ وإلَّا لم يكن لِذِكْرِه فائدة، وكذلك الآيات.
وأيضًا؛ فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم [3] » أهـ
وقال الشيخ أبو بكرٍ الجزائري حفظه الله:
« {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ؛ أي: الذي كنتم تدَّعونه؛ لأنَّ الاستهزاء بالله والرسول والكتاب: كفرٌ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ» .
وذَكَرَ حفظه الله في هداية هذه الآيات:
«- كفر مَن استهزأَ بالله أو آياته أو رسوله.
-لا يُقْبَلُ اعتذار مَنْ كفرَ بأيِّ وجهٍ؛ وإنما التوبة، أو السيف، فيُقْتَلُ كفرًا [4] » أهـ
(1) السابق (16/ 99) .
(2) قاله نظام الدين في تفسيره الذى اختصر فيه «التفسير الكبير» للرازي، و ضمَّ إليه فوائد أخرى من «الكشاف» وغيره، وسماه: «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» (2/ 1624 - ط: دار الصفوة بالقاهرة) .
(3) «مجموع الفتاوى» (15/ 33) .
(4) «أَيْسر التفاسير» للجزائري (2/ 390 - 391) .
واستدلَّ ابنُ حزمٍ أيضًا بهذه الآية على نحْوٍ ممَّا ذُكِرَ هنا، وسيأتي كلامه بتمامه في ذِكْر أقوال السابقين في الباب؛ والله الموفق.
وراجع أيضًا كلام الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله الآتي إنْ شاء الله في آخر أقوال السابقين، وكذا كلام الشيخ الفوزان حفظه الله الآتي إِنْ شاء الله في أقوال أهل العصر.