-وقال - عز وجل: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:22 - 25] .
يريد: إِنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة {قلوبهم منكرة} لألوهيته - سبحانه وتعالى -، مستكبرة عن قبول الحق، ونَعَتَهم - سبحانه وتعالى - بصفاتٍ؛ منها: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟ قالوا أساطير الأولين} [النحل:24] ؛ يعني: أباطيل الأولين والقدماء مِن السابقين عليهم، يقولون ذلك استكبارًا وإنكارًا لِمَا جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستهزاءً به؛ فكان جزاء ذلك نَعْتهم بالكفرِ والاستكبار، مع حملهم أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم بغير عِلْمٍ [1] .
وقد تكرَّر هذا الجرم منهم، وحكاه عنهم المولى - سبحانه وتعالى - في غير موضعٍ من آي الذِّكْرِ الحكيم؛ ومِنْ ذلك:
قوله - جل جلاله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:31 - 32] .
وقوله - جل جلاله: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:56 - 59] [2] .
قال الإمام الطبريُّ [3] رحمه الله:
(1) انظر: «تفسير الطبري» (14/ 94 - 95، ط: المكتبة الفيصلية بمكة المكرمة) ، و «الجامع» للقرطبي (10/ 94 - 96) .
(2) وانظر في تفسير هذه الآيات: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (11/ 6 - 8) .
(3) «تفسير الطبري» (15/ 268) .