«وقوله: {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوًا} ؛ يقول: واتخذوا حُجَجه التي احتجَّ بها عليهم، وكتابه الذي أنزله إليهم، والنُّذُر التي أنذرهم بها سخريًا يسخرون بها؛ يقولون: {إن هذا إلا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا} [الفرقان:5] ولو شئنا لقلنا مثل هذا [1] » أهـ
وقد ذَكَرَ - سبحانه وتعالى - في آية سورة «الكهف» هذه جزاءَ مَن اتَّخذَ آياته هزوًا، وذَكَرَ أَنَّ أحدًا ليس أظلم ممَّنْ ذُكِّرَ بآيات ربِّه ثم أعرضَ عنها، وعَقَّبَ على ذلك بما ينتظر هؤلاء مِن العقاب الأليم، والعذاب الجسيم، جزاءً لهم، ونكالًا بهم على ما سبق منهم مِن الاستهزاء بآيات الله - عز وجل -.
فدلَّ هذا وغيره على شناعة الاستهزاء بآيات الله - جل جلاله -، وتحريمه، وتجريمه، والتشديد في عقاب فاعله ومرتكبه، والمتلبِّس به؛ جزاءً له على كفره الذي صدر منه؛ حين اتخذ آيات الله هزوًا.
ويدل على ذلك أيضًا: جَمْعُ اللهِ - عز وجل - بين الكفر وبين الاستهزاء في سياقٍ واحدٍ في آية سورة الكهف السابقة هنا، وقد تكرَّرَ هذا الجمع في مواطن من الآيات القرآنية.
ويستفاد من ذلك أمور؛ منها:
-كفر المستهزئ بآيات الله - عز وجل -.
-وأليم عقابه، ووخيم عاقبته.
-وقال - جل جلاله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف:103 - 106] .
اختلفَ أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية:
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله بعد أن ساق أثر البخاري [2] بإسناده عن مصعب بن سعد بن أبى وقاص، قال: «سألتُ أبي - يعني: سعد بن أبي وقاص - عن قول الله: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا} : أهم الحرورية؟ قال: لا؛ هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -. وأما النصارى فكذبوا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله مِنْ بعد ميثاقه. فكان سعدٌ - رضي الله عنه - يسميهم: الفاسقين» .
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمة الله عليه عقب إيراده أثر سعدٍ - رضي الله عنه - المذكور:
(1) هكذا في سياق الطبري إشارةً إلى قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال:31] .
(2) وهو في «صحيحه» (4728) .