فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 213

«وقال عليُّ بن أبى طالب والضحاك وغير واحدٍ: هم الحرورية؛ ومعنى هذا عن عليٍّ - رضي الله عنه: أنَّ هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص؛ ولا هؤلاء؛ بل هي أعمّ مِن هذا؛ فإِنَّ هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية؛ وإنما هي عامة في كلِّ مَن عَبَدَ الله على غير طريقةٍ مرضيةٍ، يحسب أنّه مصيب فيها، وأنَّ عمله مقبول؛ وهو مخطئ وعمله مردود؛ كما قال تعالى: {وجوه يؤمئذٍ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نارًا حامية} [الغاشية:2 - 4] ، وقال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا} [الفرقان:23] ، وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا} [النور:39] [1] » أهـ

قال الإمام الشنقيطيُّ رحمه الله تعالى:

«والتحقيق: أنَّّ الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أنَّ كفرهم صواب وحق، وأنَّ فيه رِضَى رَبِّهم؛ كما قال عن عَبَدَةِ الأوثان: {ما نعبدهم ألا ليقربون إلى الله زلفى} [الزمر: 3 [، وقال عنهم: {ويقولون هؤلاء شفاؤنا عند الله} ] يونس:18[، وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع ٍصحيح: {وجوه يومئذٍ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية} [الغاشية:2 - 4 [الآية؛ على القول بذلك.

وقوله تعالى في الكفار: {إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} ] الأعراف:30 [، وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} ] الزخرف:37[.

والدليل على نزولها في الكفار: تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده، يليه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الآية]الكهف:105 [.

فقول مَنْ قال: إِنّهم الكفار, وقول مَن قال: إنهم الرهبان، وقول مَن قال: إِنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ كلُّ ذلك تشمله هذه الآية.

وقد روى البخاري في صحيحه [2] عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أَنَّه سأله ابنُه مصعبٌ عن {الأخسرين أعمالًا} في هذه الآية: هل هم الحرورية؟ فقال: لا؛ هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكفروا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. وأما النصارى فكفروا بالجنة, وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقصون عهد الله مِن بعد ميثاقه، وكان سعدٌ يُسمِّيهم الفاسقين أهـ من البخاري.

وما رُوِيَ عن عليٍّ - رضي الله عنه - مِن أَنّهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين؛ معناه: أنهم يكون فيهم مِن معنى الآية بقَدْرِ ما فعلوا؛ لأنهم يرتكبون أمورًا شنيعة مِن الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة؛ فقد ضلَّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون

(1) «تفسير القرآن العظيم» (3/ 104 ـ 105) .

(2) برقم (4728) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت