يقول ابن عمر رضي الله عنهما - كما في تفسير القرطبي: رأيتُ قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلِّقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة:65] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة:65] ؟
ولا يشك عاقلٌ أَنَّ ما يقوم به هؤلاء مِن تلحين وغناءٍٍ لآياتِ كتاب الله سبحانه وتعالى مِن الكفر الصراح؛ إِذ الأمة أَجْمَعَتْ على أَنَّ مَن استهزأَ بشيءٍ مٍن الشرع إِمَّا بكتابةٍ أو كلامٍ أو غناءٍ أو ما شابه ذلك أَنَّ ذلك رِدَّةٌ صريحة، ولو لم يعلم صاحبه أَنَّ ما فعله مِن الكفر [1] ، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (7/ 273) عند قوله تعالى {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:66] يقول: فدلَّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أَتَوْا كفرًا؛ بل ظنوا أَنَّ ذلك ليس بكفرٍ، فبَيَّنَ أَنَّ الاستهزاءَ بالله وآياته ورسوله كفرٌ يكفر به صاحبُه بعد إيمانه ... أهـ
ويقول القاضي عياض رحمه الله تعالى في الشفاء (2/ 1101) : اعلم أَنَّ مَن استخفَّ بالقرآن أو المصحفِ أو بشيءٍ منه أو سبهما أو جحده ... فهو كافرٌ عند أهل العلم بإجماع أهـ
وعَدَّ البهوتي رحمه الله تعالى في كشاف القناع (6/ 137) مِن نواقض الإسلام امتهان القرآن أو إسقاط حرمته وأَنَّ ذلك كفرٌ أهـ
وذكر محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي في رسالة ألفاظ الكفر (ص 22) أَنَّ الاستخفاف بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع أَنَّه كفرٌ أهـ
وقد كَفَّرَ الله سبحانه هؤلاء مع أنهم خرجوا غزاةً وقد تركوا أولادهم وأزواجهم وأهلهم وأوطانهم وفي وقتٍ شديد الحر وشديد العطش ومع هذا لم يشفع ذلك لهم وحُكِم [2] عليهم بالرِّدَّة عن الإسلام.
يقول الله عز وجل: {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون} [الجاثية:34 - 35] .
ويقول تبارك وتعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين .. } [الجاثية:9] .
والاستهانة بكتاب الله استهانة بقائله سبحانه وتعالى؛ لأَنَّ كلامَ الله سبحانه صفةٌ مِن صفاته؛ إِذ الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات.
يقول النووي رحمه الله تعالى في روضة الطالبين (10/ 64) : والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عَمْدٍ واستهزاءٍ بالدين صريح.
(1) يعني: لأَنَّ تقديس الله وكتابه وشرعه مركوزٌ في فِطْرَةِ الإنسان، فلا يحتاج بعد ذلك إلى بيانٍ وعِلْمٍ.
وقد مضى نحو هذا المعنى أيضًا في كلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أثناء «فصل: فيمَن سبَّ الله جلَّ جلاله» ؛ وبالله التوفيق.
(2) هكذا في «الأصل» بضم أوله.